راهن الثقافة العراقية
حراك مستمر، مهرجانات، وشكاوى أيضاً
هذه ليست المرة الأولى التي أكتب فيها عن راهن الثقافة العراقية، وأقصد بالراهن تحديداً مرحلة ما بعد الديكتاتورية... ومثل كل مرة أجدني منحازاً بقوة للفعاليات الثقافية المتنوعة التي أقرأ عنها في الصحف العراقية والمقامة في بغداد أو تلك التي تحتضنها المهرجانات العربية وأقرأ عنها بعض العروض الصحفية، الأخبار التي أقرأها، تجعلني، استطراداً، أتحسر وأتمنى أن أكون حاضراً فيها فذاك كما أعتقد هو مكاني الطبيعي.
الفعاليات الثقافية العراقية متنوعة بشكل عجيب، ففي ظل هذا الوضع الأمني المريع يذهب عزيز عبد الصاحب إلى اتحاد الأدباء ليحاضر عن أبرز العروض المسرحية التي قدمها المسرح العراقي من التاسع من نيسان 2003 ولغاية اليوم... ألا يمثل ذلك بالنسبة لمن يتسمّر أمام الشاشات الصغيرة مراقباً الحدث الساخن العراقي بعض أمل؟ ماذا عن مهرجان المدى؟ مهرجان بابل للثقافة في الفرات ؟ مهرجان المربد بنسخته البصرية الجديدة؟ فعاليات دار ثقافة الطفل التي تحركها حيوية الفنان شفيق المهدي؟ العروض الممسرحية النهارية في في المسرح الوطني؟ وصباحات المدى؟ وعروض أكاديمية الفنون الجميلة؟ المعارض التشكيلية في مدارات وحوار؟ النشاطات، المتقطعة للفرقة السمفونية العراقية، يا للهول، الفرقة السمفونية الوطنية العراقية تقدم أرقى المقطوعات العالمية في بغداد التي تنام وتصحو على موسيقى السيارات المفخخة؟؟؟؟ عروض الفرقة الوطنية للفنون الشعبية وجهود الفنان الرائع فؤاد ذنون في هذا المجال؟ العروض المسرحية القادمة من العراق وحدها من ينتزع الاعجاب في المهرجانات العربية( أمثلة: حظر تجوال للرقيق مهند هادي، نساء في الحرب للمبدع كاظم النصار، العرس الوحشي للجميل أحمد حسن موسى) عشرات الفعاليات الثقافية التي تحتضنها العاصمة بغداد ناهيك عن المدن الأخرى، تلك التي لا تعيش الظرف الأمني المتدهور الذي تعيشه العاصمة.... ألا يمثل ذلك كله علامة واضحة وناصعة على حيوية الثقافة العراقية وقدرتها الأكيدة على الاستمرار في ظل أقسى الظروف؟ لقد برهنت سنوات الديكتاتورية على مثل هذه الحيوية... وليس فينا من ينكر اليوم محاولات جريئة عديدة في الشعر والسرد والمسرح والرسم كانت تمثل للنخب الوطنية الرئة الحقيقية في عراق كان محكوماً عليه بالعزلة ومحاطاً بالاسلاك الشائكة من كل مكان... واليوم، حيث السيارات والأجساد المفخخة لا تترك شبراً، خاصة العاصمة الحبيبة، دون أن تعيث فيه بأفكارها الجهنمية المقيتة، يسمو الابداع العراقي من جديد مانحاً الناس بعض أمل وثقة في زمن عصيب.
راهن الثقافة العراقية فيه الكثير من المخاطر التي هي وليدة الخطر الداهم المتمثل بغياب الأمن... ولهذا فليس من المستغرب أن نسمع عن شهداء الثقافة العراقية، وأكثرهم ذهب ضحية للغدر والارهاب... على أن ذلك لم يمنع أهل الثقافة من مواصلة الحراك حتى وإن ظل بعيداً عن نقاط الخلاف، والتي أعتقد أننا بحاجة ماسة لاختراق هذه النقاط اليوم اليوم وليس غداً لما فيه من تأثير على مستقبل الوطن العراقي قبل اي شيء آخر. إن ما هو ضروري في تقديري الشخصي أن تستبدل الثقافة العراقية خطاب الشكوى من الاهمال إلى خطاب الفعل والمشاركة، وأعتقد أن ذلك ليس صعباً، أعلم أن عديد الطارئين، والمنظمات الثقافية الطارئة، صار مهولاً بفعل الانفتاح الذي يمر به البلد، ولكن ذلك يجب أن لا يسبب عائقاً، إذا كان الوضع الأمني المعقد ذاته لم يمثل عائقاً.. الثقافة العراقية في حراك مستمر ونشاط وحيوية لا يغفل عنها إلا مغرض... فأي مراقب سيرى بوضوح ذلك الحراك، وما الصحف وتعددها، والفضائيات وتنوعها، والمنابر واختلافها إلا مؤشرات على ذلك الحراك.... والشيء الذي علينا التفكير فيه ملياً اليوم، وأقصد بالنحن هنا من يعيش من أهل الثقافة العراقية خارج العراق، في الطرق التي من خلالها نمد الخيوط مع ذلك الحراك... فالنخب العراقية المثقفة خارج العراق هي الأخرى لها حراكها المستمد من قوة حراك الداخل، نحن بحاجة ماسة لصلات من هذا النوع وما علينا إلا تبني المبادرات الشخصية أو دعوة المؤسسية غير الحكومية لبتني مثل هذا النشاط..
كلمة أخيرة: لن تكفي كلمات العالم كلها للقول كم نحن معكم ايها الأصدقاء في المحنة التي تعيشونها، محنة الارهاب الأعمى الذي ما فرق بين عراقي وآخر إلا بطريقة الموت....
*********
نشر المقال في مجلة الشبكة العراقية بتاريخ 11 آذار 2007، العدد السادس والعشرون، وكان بمثابة رد على سؤال من محرر المجلة الثقافي.
*******