رسالة إلى عراقي

 

أعترف بأنني في حيرة من أمري، هكذا قررت أن أنقل هذه الحيرة إلى من يهمه الأمر، وهو العراقي الذي أكتب إليه هذه الرسالة وأعرف سلفاً أنه سوف يمزقها ويرميها في الهواء، فقد شبع من الرسائل التي تنهال عليه منذ عقود، وجاء المد الظلامي مؤخراً ليكثف من رسائله إليه حتى ما عادت من جدوى للكلام. ولكني أفعل حتى أتخلص من حيرتي.

والحيرة تتلخص بسؤال مفاده: ماذا يريد هذا العراقي؟

كنت أظن أن النسبة الصغيرة من العراقيين التي ستدافع عن نظام صدام حسين هي خليط من المستفيدين والمتنفذين ورجال الأمن الخاص والاستخبارات والمخابرات والعوائل المحيطة بهرم السلطة السابق، وبالرغم من أن هؤلاء أعلنوا عن وجودهم بشتى الوسائل ، منها ما هو مفخخ ومنها ما يتعلق بحزّ الرؤوس، إلا أن الحيرة اصابتني من ذلك العراقي الذي يقيم في دولة أوربية ويرسل منها مقالاته المليئة بالتحريض على القتل والفخر ببطولات القائد الأسير. وأين محل العجب ؟ باختصار شديد لأنني أعرف هذا السيد العراقي ولو أن معرفتي به سطحية.

هذا السيد كان طالباً في كلية الفنون الجميلة، حيث كنت أيضاً ، ولكنه أسبق مني ودرس في قسم السينما تحديداً، على أن أخته درست في قسم المسرح بعدي بسنوات وقد توطدت علاقتي مع أخته التي تزوجها زميل لنا نحن الأثنين فيما بعد وهاجرا سوية إلى أوربا أيضاً. هذه التفصيلات الثانوية مفيدة لجهة أنني أعلم جيداً من أي بيئة خرج صاحبنا وعائلته (مدينة الثورة تحديداً) ..فهم بعبارة مختصرة: من عامة الناس مثل حالي وحال الملايين. تخرج صاحبنا من الأكاديمية وهاجر إلى دولة أوروبية ضمن موجة ضخمة من الهجرة بعد فضيحة العام 1991 .. وخرجت مثله، ومثلنا الملايين!... صاحبنا كان يزور العراق في (مهرجانات المغتربين إياها) وكنت، لا أدري لماذا، ألتمس له العذر في ذلك بالرغم من سمعة تلك المهرجانات المخابراتية. ثم سقط الصنم ووجدت صاحبنا يكتب عن القيادة الحكيمة، ويا محلى النصر بعون الله، حزب البعث باعتباره المخلص والرئيس الذي سيعود ليقهر الكفر ألخ... لم أفهم ذلك أبداً.. هل يعشق صاحبنا صدام وحزبه وهو أبن مدينة الثورة تحديداً؟ ماذا عن أيام الأكاديمية وطلابها والكثير من أساتذتها الذين تعلمنا منهم ومعهم معنى الديكتاتورية؟.. أفهم جيداً لماذا يدافع أحد حراس الأمن الخاص عن صدام ( قال لي صديقي "..." وهو من عائلة معروفة لها صلات بالكثير من رجال الحرس الخاص، أنهم يختارونهم للخدمة في هذا الجهاز الخطير في سن الرابعة عشر، أي مع بدايات المراهقة، على شرط أن يكونوا ممن يجيدون القراءة والكتابة فقط لكي يتم تربيتهم على شيء واحد فقط هو: عبادة صدام).

ولكنني عجزت عن فهم حالة هذا العراقي.

وفي قصة أخرى أقف أمام السفير السابق، ورئيس تحرير الجريدة الكبيرة، وكاتب افتتاحياتها الغثيثة، الكاتب والسفير الذي خسر كثيراً عندما سقط صدام. خسر المنصب، الجاه، المال، السلطة، وقبلها خسر الشرف. ماذا يفعل؟ إن قال لنا: كنت مجبراً. لن نصدقه. وإذا قال أعتذر سألناه عن دمنا المسكوب في محبرته، وإذا صمت فهذا يعني أنه يفكر في أمره وأمر سنوات من الركض وراء مديح الطغاة. هذا السيد قرر أن يدافع حتى الرمق الأخير ومن الدولة ذاتها التي كان سفيراً لصدام فيها عن سيده.. وأتفهم موقفه جيداً.. أتفهم موقف عبد الرزاق عبد الواحد وحميد سعيد وسامي مهدي ورعد بندر ولؤي حقي وساجدة الموسوي وعلي الياسري وحتى موقف عبد المنعم حمندي بالرغم من عدم قناعتي به، لقد كانوا رموزاً، ولقد سقط الرمز الأول فماذا عن الرموز الثانوية؟ ليس لها غير أحد  خيارين: أن تعترف بأنها كانت آثمة من وجهة نظر الملايين فتكف عن أثمها، أو أن تمارس اللعبة ذاتها لتثبت أنها لم تكن آثمة وإنما مؤمنة بما فعلته وقد اختار هؤلاء الرأي الثاني ولا نملك إلا أن نختلف معهم في الرأي!

أتفهم جيداً لماذا يصرخ الدكتور الشاعر الأردني وزوجته القاصة دفاعاً عن صدام، فسيارتان مارسيدس ما زالتا تقبعان في كراج المنزل المهدى لهما أيضاً.. أتفهم لماذا يدافع الدكتور القطري، وفيهم من يقول أنه أصلاً من اليمن السعيد، عن الرجل الذي حاوره لساعات في لقاء بث منه شيء في الفضائية إياها؟ وأتفهم أيضاً حماسة البدو في خطاب الصحافي الفلسطيني الشهير عندما يربط كل شيء وأي شيء بالامبريالية ؟ أتفهم هذا السيد المصري الذي يخرج علينا كل يوم بخطاب فج نحاول أن ننساه لأنه لم يجلب لنا غير العار منذ أكذوبة سنرمي بهم إى البحر؟ أتفهم لماذا قالت تلك الصحفية السورية لعدي (أيها الغالي أبن الغالي)؟ ولكنني لا أفهم أبداً أن يهرب شاعر عراقي إلى دمشق ذاتها (هل تذكرون أنها كانت تأوي معارضين لصدام، وها هي اليوم تأوي أيتامه!) ومنها يسرنا بأنه كان جائعاً دون أن يذكر كتابته عشرات المعلقات في مديح الطاغية التي كان ثمن القصيدة الواحدة منها يطعم حياً سكنياً كاملاً في مدينة الثورة نفسها؟ لا أتفهم كيف يصير صدام حسين بطلاً في عيني عراقي من أهل الثورة وهو الذي سرح فيها نوعين من الجرذان للفتك بأهلها (نوع آدمي ونوع حيواني!)؟، فلا يجد هذا السيد غير(طز) صدام حسين ليتغزل بها؟؟؟

كنت أمضي وقتي مستمتعاً بقراءة سيرة شاعر عراقي خرج من محرقة الأعوام الثمانية بأعجوبة حتى قلت لنفسي ماذا عن الرواة الآخرين؟ ذهبت إليهم وكنت أبحث عن الحقيقة بعقل صبي.. يكرهون أمريكا؟ ولم لا ... نصف شعوب العالم تكره أمريكا.. يكرهون الاحتلال؟ وقد كتب بول  بريمر ذاته أن لا أحد يحب الاحتلال!.. المخزي أنهم بالحجتين يريدون لنا أن ننسى قتلانا ونحن لم ننته بعد من عدهم.. قتلانا خلال أربعين عاماً منذ الثامن من شباط  1963 ولغاية التاسع من نيسان 2003..

حيرة كبيرة أن يكون العراقي الكائن الوحيد الذي لا أحد يعرف على وجه التحديد ماذا يريد!

والأمر في وجه من وجوهه يمثل بالتأكيد حنيناً للأبوة الديكتاتورية، وأعتقد أن هذه الفكرة تحتاج إلى بعض الشرح. لقد عشنا أكثر من ثلاثة عقود ونحن لا نرى في البيوت والشوارع على حد سواء غير صورة الأب القائد. هو الذي علمنا كل شيء وكان يتدخل بين الزوج وزوجتهما في فراش اللذة. الأب القائد الذي يرمينا حشوداً في مقابر جماعية كان هو ذاته من يمنحنا مكرمات متتالية تتمثل بزيادة نصف كيلو من الطحين على حصص عوائلنا التموينية، يحدث هذا عندما يكون مزاجه رائقاً. الحديث عن الأب القائد يمثل حديثاً عن عزلة ثلاثين عاماً وأكثر، عزلة تطاول في آثارها سيرة الولدين اللذين أخرجتهما والدتهما من قبو تحت منزلها بعد أن سقط تمثال الأب في ساحة الفردوس وكانت خبأتهما منذ العام 1979 فلم يتصلا بأحد في هذا العالم سواها! وبعد ذلك يصبح الحنين لهذا الأب ضرباً من الاستحالة، لا يقبلها المنطق خاصة وأنه اليوم يقبع في سجن، فلو كان في عز سلطته لتفهمنا موجة الحنين الجارف التي تجتاح بعض العراقيين إليه، فهو الأب الذي له عين في كل شارع وبيت وجامع ومدرسة ومستشفى وعطارة! الحنين إلى عصر الطاغية من قبل ضحاياه تصلح أن تكون مادة نادرة لملحمة تراجيدية متخيلة، المصيبة أنها اليوم تمثل واقعاً عراقياً.

أن تسمع عن عراقي يبيع أكياس الدم على رصيف عام، وأن تقرأ عن عراقي يسهل مخبأ لعصابات الجريمة المنظمة، وأن ترى عراقياً يقطع الطريق على عراقيين مثله من أجل تسليبهم، وأن تسمع عن عراقي يخط  بدمه عبارة (يعيش صدام) على جدران المدينة، وأن تسمع عن عراقي يستأجره عروبي قادم من وراء الحدود لكي يقتل شريكاً له في الوطن، وأن ترى عراقياً يذرف الدمع على حزب البعث، وأن تقرأ عن عراقي يلبس العمامة بعد أن أن كان يبيع الأجساد في زمن قريب... أن تسمع وتقرأ قصص العراقيين، وأن تشاهدهم في المدن البعيدة لا شغل لديهم غير ذبح بعضهم البعض. أن تشهد ذلك كله وأنت العراقي فهل من سؤال يتملكك بعدها غير سؤال الحيرة إياه؟

 سنصرخ معكم أيها العراقيون المخصوصون في هذه الكلمة: نحن نكره الاحتلال، نكره أمريكا، نكره الغرب الكافر.. هل أرضيناكم؟ إذا كنا فاكملوا قراءة الجملة: ولأننا نكره صدام وعصابته، نكره الديكتاتورية بكل أشكالها،  فإننا نستبشر خيراً بالتحرير وندين أشكال الخطف وحز الرؤوس والسيارات المفخخة كلها.. ونأمل في يوم عراقي يعيش المرء فيه بكرامته. نأمل في يوم يعيد العراقي إلى نفسه المكلومة شيئاً من بهائها.

أيها العراقي، يا صنوي.. هل يعقل أنك تحمل هذه التناقضات كلها؟ هل يعقل أن نخبك الوطنية والثقافية لا تختار إلا أن تلعب دور السجان أو الضحية؟ لماذا لا تكف عن الشتيمة؟ لماذا تحمل خنجرك فتطعن به الشخص الخطأ في الزمان الخطأ دائماً؟ اين سجاياك الكريمة؟ كيف قدر لك أن تنكفأ على نفسك فلا تسمع منها غير موسيقى الخراب؟ لماذا تضرب مثلاً في الكراهية؟ يا صنوي، القاسي، الجميل، المحب هل وصلت إلى آخر النفق فما عدت تميز بين الحرية والسجن؟ وهل تريد العودة حقاً إليه، ذلك السجن الذي انتظمنا في صلاة جماعية للخلاص منه؟ كيف أفهم حنينك إلى من كان يجلدنا بأسماءه المستعارة؟

أيها العراقي.. أنا حائر.. عذرت الآخرين كلهم لأنني أعرفهم واحداً واحداً، من قبض ومن شمت ومن تغابى ومن أستغفل.. ولكني لا أجد عذراً لك.

 

****

هوامش ضرورية:

·        قلت في أول السطور: نسبة قليلة من العراقيين ألخ.. وهو تعبير جاء في ذهني كوني عشت في أكثر من مدينة عراقية قبل هروبي في العام 1998، كنت في تلك الأيام لا أصادف إلا من هو ناقم على النظام ويتمنى الطوفان خلاصاً منه.

·        في كلية الفنون الجميلة، حيث درست فيها للفترة من 1987 ولغاية 1992، كانت أغلب نماذج الطلبة والأساتذة من المسرحيات تتحدث عن الطغاة والدكتاتوريات، وبسبب من ذلك صدر تعميم بمنع العمل على إخراج عدد من النصوص المسرحية أهمها مسرحيات ما يسمى بالعبث لأنها لم تك سوى إدانات مباشرة لفكرة الديكتاتور.

·        في عقد التسعينيات الماضي انشغلت القيادة العراقية المحاصرة بمحاولات يائسة لفك هذا الحصار، ومن تلك المحاولات كان مهرجان المغتربين، وهو مهرجان دعي إليه شديدو الولاء للقيادة وعيونها في دول العالم المختلفة ولم يحضره اي شخصية عراقية لها سمعة في مقارعة النظام.

·        كررت مراراً في المقال تعبير مدينة الثورة لسبب واحد، وهو أن هذه المدينة بملايينها تصلح نموذجاً عراقياً أصيلاً للقهر الذي مارسه النظام السابق ضد العراقيين، ومن يزور هذه المدينة التي تقع شرقي العاصمة بغداد ستكفيه عيناه عن أي حاسة أخرى وهو يرى خراب المدن في عهد البطولات القومية.

·        حرصت على تخصيص رجال الأمن الخاص ولم أحرص على تخصيص رجال الأجهزة الأمنية الأخرى، فالانتساب للجهاز الأول غيره فيما يتعلق بالأجهزة الأخرى، وقد كنت على علاقة ببعض الأصدقاء ممن يعملون في جهاز المخابرات مثلاً ووجدت فيهم ما فينا من ألم، وأذكر من هؤلاء أحد الأصدقاء وكان يعمل في الحقل الطبي وهو شقيق لأحد المسرحيين العراقيين وآخر كان يمثل أنه يدرس معنا في الكلية، وهو من مدينة العمارة، ولكنه طرد من عمله لأن له أخاً كان قد شارك في انتفاضة العام 1991 .

·        نشر الشعراء: عبد الرزاق عبد الواحد وحميد سعيد وسامي مهدي وساجدة الموسوي العديد من القصائد بعد سقوط صنمهم يتباكون فيها على ذلك الصنم ويحرضون العراقي فيها على الموت مرة أخرى دفاعاً عنه! بحجة: الاحتلال والمقاومة وما إليه.

·        لم أذكر الأسماء العربية التي تواصل مديح سيرة الدم لأنها لا تستحق ذلك أصلاً علاوة على أن العراقي الذي يقرأ رسالتي يعرفها جيداً.

·        قلت : نوعان من الجرذان، وفي الحقيقة ثمة من يقول أن النظام السابق أطلق مجموعة ضخمة من الجرذان للفتك بأهل مدينة الثورة في منتصف عقد التسعينيات الماضي، في محاولة شريرة منه لمعاقبتهم بطريقة مبتكرة ولا تثير الشكوك، ناهيك عن جيش من كتبة التقارير وميليشيا الحزب والفدائيين ألخ.

·        كتب الحاكم الأمريكي السابق في العراق بول بريمر مقالاً نشرته جريدة الشرق الأوسط نقلاً  عن الواشنطن بوست بتاريخ 10 سبتمبر 2003 ، وقد حمل عنوان( لا أحد يحب الاحتلال).

·        ثمة هوامش أخرى أتركها للعراقي الذي أرسلت له هذه الرسالة.

·        وأخيراً، كنت نشرت هذا المقال قبل أكثر من عام، ووجدت أن العراقي المعني بهذه الرسالة قد لبس وجهاً آخر، لا أجد معه سوى تكرار الكلمات السابقة، فعذراً للتكرار. 

***************

 

 مقالات في الشأن العراقي