في رثاء رجلي مسرح من العراق

 

في الوقت الذي كنت أستعيد فيه صورة الفنان الدكتور عبد الصاحب نعمة الذي باغته الموت سريعاً تناهى لي خبر رحيل مخرج ومؤلف من أهل المسرح العراقي أيضاً هو الفنان المثابر كريم جثير. لم يفصل بين رحيل الأثنين سوى أيام معدودات، وأسباب الوفاة كانت في الحالين مفاجأة، فلا مرض أو كبر في السن، كما لم يكن الموت المجاني الذي تزرعه "مقاومة" العراق الناهض سبباً أيضاً.

عبد الصاحب نعمة، صاحب الضحكة المجلجلة، الممثل المسرحي والتلفزيوني المقل جداً، والأكاديمي الذي ظل طالباً حتى سنوات قليلة قريبة، كان يغالب الدمار الذي من حوله، دمار بالوراثة بعد عقود من الديكتاتورية البغيضة، ولم تجد فلول الإرهاب الوافد وقطعان التخلف مناسبة أكبر من مناسبة الحرية في العراق لمحاولة وأدها وذبحها من الوريد للوريد في شوارع مدينة السلام بغداد أو المدن الأخرى، ومنها بالطبع بابل، تلك المدينة التي ولد نعمة فيها وكبر.

ظل عبد الصاحب نعمة مليئاً بالحيوية حتى وهو ينظر إلى أفواج التخلف تصعد إلى خشبات المسارح العراقية بوصف أبطالها نجوماً للموجة الجديدة، موجة تخريب الذوق العام المدعومة جيداً ومن أعلى المستويات، فكان الحصن الأكاديمي قلعة لمت عندها عدداً من الوجوه المسرحية الجادة بالرغم من أن هذه القلعة ذاتها كانت قد عصفت بها أفواج التخلف على شكل بعثيين وطلاب جاه وما شابه.

والحديث يقود إلى الذاكرة مباشرة، ومن ذلك الحوار الطويل الذي أجريته معه في العاصمة الأردنية عمان في العام 2000، ونشرته في واحدة من صحف لندن، كان عبد الصاحب نعمة في الحوار ميالاً للحديث عن فن الممثل بصورة علمية تعيد الإعتبار لهذه المهنة المقدسة التي لم تسلم من اللصوص والغرباء، وكان حواراً طويلاً ليس عندي شك في أن الراحل قد فرح به كثيراً حين عودته إلى بغداد. ومن أجواء ذاك الحوار أستعيد إجابة ذكية له ومليئة بالمعرفة حول سؤال عن حال المسرح في العراق في تسعينيات القرن الماضي، فقال:

لا يمكن بأي شكل من الأشكال عزل الظاهرة عن الواقع، فالجوع من شأنه أن يفتح مجاهيل لا يمكن تبصرها وقيادتها، وانزياحات البشر نحو ممارسات في أحسن أحوالها لا آدمية، وهكذا تتسوف الحياة مع تسوف البشر ولابد أن يترك ذلك أثره على الظاهرة المسرحية، عندما يجد المرء نفسه في غربة عن المتعة والترويح الروحي، فإنه يلجأ وبدون تفكير منه إلى ظواهر شاذة ومنحرفة من شأنها أن تنحرف بحركة المجتمع نحو واقع سيء، وما المسرحية الاستهلاكية إلا مثالاً ناضجاً على هذا المنطق، فجمهرة المسرحية الاستهلاكية تعاني إزدواجية داخلية هائلة، فهي تهيء رواجاً كبيراً لهذا المشروع وفي نفس الوقت تنتقده بشدة، وذلك دون موقف رادع منها، وهذا في تقديري لأن المسرحية الاستهلاكية تهيء ترفاً فكرياً وحياتياً للذين تعودو وتوروطوا في ترف سافل من قبل القائم على التجربة ومتلقي التجربة على حد سواء، فالمتاجرة بأذواق البشر هو أكثر قسوة من الحرب التدميرية النووية، لا سيما ونحن نسعى بكل ثقلنا وجهدنا وجهودنا أن نبني إنساناً بفضاءات خيرة ولا ترتبط المسرحية الاستهلاكية اطلاقاً ببنية الثقافة العراقية التي هي معمار متجذر في عمق السلالات والحضارات ولا يمكن أن يهزها أي جوع أو قمع، فلا زالت البنية الثقافية في العراق داخلاً وخارجاً تقود حياة المجتمع، وليس هنالك من شك في أن العقل العراقي هو عقل تركيبي جدلي مؤسس على تكوين حضاري يمتد من التكوين البشري الأول.

آخر أدوار عبد الصاحب نعمة المسرحية كان في تمثيله شخصية طاغية العصور ماكبث، والتي أخرجها الفنان القدير صلاح القصب وقدمت في العام 2001 في حدائق مبنى الأكاديمية في الوزيرية، كان العرض بشهادة نقاده، محاولة جريئة أخرى من قبل القصب وفريق عمله(مثل شخصية الليدي ماكبث الفنانة القديرة عواطف نعيم) لكسر فخامة الطابع الشكسبيري لصالح انتاج عرض مليء بالمحمولات الدلالية التي يمكن إسقاطها على طاغية العصر الحديث في العراق، وقد نجح العرض فنياً وانتشى عبد الصاحب نعمة. لقد كان عرض ماكبث مسك ختام مناسب لحياة فيها الكثير من الآلام والأفراح لرجل مسرح أحببناه، بل أحببنا فيه إخلاصه لمسرح عراقي أصيل وصادق وحقيقي.

***

وإلى فاجعة رحيل المخرج والمؤلف كريم جثير، هذا المخبول بالخشبة، والذي دفع ثمن خباله ذاك غربة ومنافي ومنائي لا حصر لها، كانت ابتدأت من مدينة الثورة تحديداً عندما قرر أن يحول منزل عائلته المتواضع إلى مركز للإنتاج المسرحي وعرض التجارب فما لاقى غير نقمة الأهل قبل غيرهم، والأصدقاء قبل المخبرين، أنهى دراسته الأكاديمية وفر شأن كثيرين إلى بلاد الله الواسعة، فكانت محطاته في الأردن واليمن وصولاً إلى المنأى الكندي البارد.

وفي عمان ذاتها التقيت بجثير مرة، كان قادماً لأكثر من سبب، مر على الساحة الهاشمية ومقهى السنترال ثم انتقل إلى دمشق حيث مقام السيدة زينب ومقاهي المثقفين العراقيين فيها. في زيارته هذه وجدته كما هو، مليئاً بالأحلام والرؤى، عاد إلى كندا بعدها ليبدأ بالدراسة العليا لفن المسرح ولكن لحظة الخلاص العراقي جرته من نياط قلبه فعاد إلى بغداد. هذه المرة كانت الأحلام قد صارت على مرمى حجر، فكانت أحدب نوتردام التي قدمها من على خشبة المسرح الطني ببغداد بكادر تمثيلي من الشباب. كنت قبلها قد قرأت عن ندوة احتفاء بتجربته في مقهى الجماهير، فكتبت له على الفور محيياً، وأجابني بالقول أنه يقترب من الحلم كثيراً في بغداد.

يبدو المشكل العائلي في حياة كريم جثير واحداً من ملامح حياته غير المستقرة، ونقصد بالمشكل العائلي وجود زوجته وأولاده في دولة أخرى وما يمثله ذلك من ابتعاده عن أولاده، وقد علمت أنه كان يعد العدة قبل وفاته بأيام لسفرة تجمع شمله بهم ولكنه توفي قبل تحقيق هذه الأمنية.

كريم جثير رجل مسرح من النادرين في هذا الزمان. كان حريصاً على العمل بالرغم من قسوة الظروف المحيطة بالمسرحيين خارج بلدانهم. وهي حقيقة يدركها الكثير من أهل المسرح الذين أجبروا على مغادرة جمهورهم ونقادهم وخشبات المسارح التي تمرنوا عليها لسنوات وسنوات. فالعمل المسرحي يتطلب إمكانات مادية وبشرية صعب تجميعها في بلاد غير بلادك، وهكذا تبدو مهمة المسرحي العراقي المنفي صعبة للغاية وهو يحاول أن يقدم مسرحاً في هذه الدولة العربية أو تلك الأجنبية. وكريم جثير حاول مرات ومرات، واستطاع أن يحصد النجاح في اليمن، ولعل في مراجعة بسيطة لما كتب عن تجاربه المسرحية هناك الكثير من الإشارات لجهوده في مسرح المقيل وغيره، ولقد أفاد جثير من تجارب عدد من الشعراء والفنانين العراقيين المقيمين أنذاك في اليمن من أجل تقديم عروض مسرحية جريئة وصريحة ومليئة بالجمال.

وبالرغم من انشغاله بالدراسة الأكاديمية في كندا إلا أنه استطاع أن يجمع عدداً من النصوص المسرحية التي كان كتبها بين بغداد وصنعاء ليصدرها في كتاب حمل عنوان: الأقنعة ومسرحيات أخرى، عن دار نينوى للنشر في دمشق عام 2001 ، وقد قرأت في صحف عراقية أخباراً عن كتاب آخر كان صدر قبل رحيله بفترة قريبة ضم عدداً جديداً من مسرحياته.

كان لافتاً إهداء جثير لكتابه الأول عندما كتب في الصفحات الأولى يقول: مسكوناً بالمسرح والوجع العراقي... أتقدم إليكم. ومن يعرف المؤلف معرفة، ولو سطحية، لتبين مدى عشقه للمسرح وإنهماكه بالوجع العراقي الممتد لعقود طويلة.

رحل كريم جثير وهو في مبتدأ الحلم، تماماً مثل عبد الصاحب نعمة.

فهل ثمة قسوة أكبر من تلك؟

*****

 مقالات أخرى في المسرح