بداية عصر الرواية الذهبي في العراق بقرار رئاسي!

عامان فقط شهدا ظهور عشرات الروايات في العراق بعد لقاء الرئيس صدام حسين بروائيين وقاصين


لم يكد الرئيس العراقي صدام حسين يفرغ من لقاء مجموعة من الروائيين والقاصين العراقيين عام 2000، ذلك اللقاء الذي أعطى الرئيس فيه توجيهاته للأدباء العراقيين بخصوص نوع الرواية المطلوبة، حتى دشنت أكبر مؤسسة طباعية في العراق مشروعاً ضخماً للاصدارات الروائية، خطط له أن يصل منذ تدشينه في فبراير (شباط) 2000 الى ما مجموعه 80 رواية جديدة.
وقد صدرت ضمن هذا المشروع روايات كثيرة كان نصيب الرئيس العراقي وحده منها ثلاث روايات هي: زبيبة والملك، القلعة الحصينة ورجال ومدينة.. على أن المفارقة الأولى هنا أن روايات الرئيس حصراً لم تصدر عن تلك المؤسسة، دار الشؤون الثقافية العامة، أما باقي الروايات فقد صدرت عن تلك المؤسسة. ومن هذه الروايات صدر الآتي:
«حزيران الجهات الأربعة» لعبد الأمير المجر و«الماء والنار» لالهام عبد الكريم و«النشور» لعلي خيون، «القرية» لعدنان نعمة سلمان، «رجال الذرى» لوحيد عبد مهلهل و«الغرانيق» لمحمد عطا الله و«الوباء» لمحمد أحمد العلي و«وشم ناصع البياض» لعلي لفتة سعيد و«الاختيار» لفاضل عباس الموسوي و«ميسوبوتاميا» لابتسام عبد الله و«بوابة بغداد» لأحمد خلف و«طريق الشمس» لداود سلمان الشويلي و«الخروج من الجحيم» لناطق خلوصي و«القاعة» لحاتم حسن و«أطراس الكلام» لعبد الخالق الركابي و«الطائر» لعبد الصمد حسن و«ضحكة اليورانيوم» للطفية الدليمي و«نهوض الذاكرة» لجاسم عاصي و«الزمن الحديدي» و«ضوع الكبريت» لعبد الهادي أحمد الفرطوسي «حكاية امرأة» لمحمد مزيد و«بقايل النذور» لعبد الباري العبودي و«أفياء في النار» لثامر معيوف، «عطش على ضفاف الدانوب» لعبد الستار البيضاني و«اغتيال الحنين» لحسب الله يحيى و«وحيد» لعادل الشوية و«غسق الكراكي» لسعد محمد رحيم و«الملازم عارف» لابراهيم عبد الرزاق و«الاقامة في الأسئلة» لحامد الهيتي و«ليلى العامرية» لأمير الحلو، و«أحلام مهشمة» لناصرة السعدون و«العملاق» لكمال لطيف سالم و«طوق الشيطان» لعادل طاهر و«ملأى بالشموس تمضي العربة» لعبد الرضا الحميد، و«شواطئ الشوق» لعيسى الصقر، و«كراسة كانون» لمحمد خضير و«رغوة السحاب» لمحمود عبد الوهاب و«ارفعوه فوق الأكتاف» لنواف أبو الهيجا و«طريبيل» لأحمد هاتف و«براعم اللهيب» لمحي الدين اسماعيل و«طيور الغاق» لوارد بدر السالم و«حفل للحب.. حفل للقتال» لعبد الاله عبد الرزاق و«هذا الجندي هو أنا» لصلاح زنكنة و«رغيف بحجم الكف» لمحمد البكاء و«سفارة عراقية» لسيف الدين الجراح و«نجمة بعيدة» لناظم مزهر و«الساقية» لعادل كاظم..
وهذه الروايات كانت بشكل أو بآخر نتاجاً للقاء الكتاب العراقيين بالرئيس العراقي الذي أشرنا اليه في مطلع القول.. كما أن بعضها وقعها كتاب معروفون، خذ عبد الخالق الركابي مثالاً، والبعض الآخر كتبها مؤلفون جدد مثل عبد الأمير المجر، على أن بعض تلك الروايات قد انتهز أصحابها فرصة مشروع الثمانين رواية لنشر نتاجهم المكتوب قبل اللقاء اياه..
واذا كانت التغطيات الاعلامية الموسعة في صحف بغداد لروايات الرئيس الثلاث معروفة غاياتها ودوافعها وأهدافها فان الملاحظ أن الروايات التي صدرت بعد تلقي تعليمات الرئيس قد شهدت هي الأخرى تغطيات صحافية موسعة في بغداد، وأطلقت عليها تعبيرات مقاربة للتعبيرات التي أطلقت من قبل على روايات الرئيس.. وفي افتتاحية كتبها لمجلة «الأقلام» العراقية الثقافية، العدد الثاني لسنة 2001، يقول الروائي عبد الخالق الركابي تحت عنوان لافت هو عصر الرواية الذهبي: «لقد أضحت الرواية العراقية تشكل ظاهرة لافتة للنظر في بلاد تسيد فيها الشعر الساحة». ويواصل الركابي القول: «قد يثار سؤال عن أن نماذج الرواية الاستثنائية غير مرهونة بالكم الروائي الشائع، اذ ما أكثر عدد الروائيين الذين كتبوا عشرات الروايات التي سرعان ما طواها النسيان، وأصحابها ما يزالون أحياء. في حين هناك روائيون آخرون ما كادوا يبدعون رواية واحدة حتى سجلوا أسماءهم في تاريخ الرواية (...) قد يصح طرح سؤال على هذه الشاكلة لو كانت حركة نشر الرواية محددة بمرحلة موقوتة بسقف زمني معين. أما وان هذا المشروع مفتوح على وسعه، ما انفك الروائيون يرفدونه بنماذجهم، فلا نملك الا أن نستبشر خيراً، مطمئنين الى أن الرواية العراقية تعيش عصرها الذهبي». وحديثه فيه تأكيد على مشروع الثمانين رواية، والذي من المؤمل والمتوقع أن يتجاوز الرقم الى أضعافه، كما هو الحال تماماً مع مشروع مماثل سبق أن دعت اليه المؤسسة الثقافية في العراق وأطلقت عليه: مشروع ثقافة ضد الحصار، أريد له أن يقوم بمهمة القضاء على ظاهرة الكتب المستنسخة والصادرة بدون موافقات الجهات الرسمية، وهي ظاهرة كانت انتشرت منذ أواسط عقد التسعينات الماضي وقادها مجموعة من الشعراء الشبان متحدين فيها شرطي المؤسسة ورقيبه القامع، الا أن الظاهرة استقطبت فيما بعد أسماء مكرسة، كما استقطبت روائيين وقصاصين جددا.. وعندما أطلقت المؤسسة مشروع ثقافة ضد الحصار كان الهدف منه الحد من ظاهرة كتب الاستنساخ باعتبار المشروع يوفر فرصة نشر رسمية ومجانية للكاتب الا أن الذي حدث هو على العكس من ذلك تماماً، فقد استمر الشعراء بوجه خاص في اصدار كتيباتهم الشعرية المستنسخة في ذات الوقت الذي صدرت فيه مجاميعهم عن دار الشؤون الثقافية العامة، بل أن المخطوطات التي قدمت والمجاميع التي صدرت فاقت تقديرات وتصورات المشرفين على المشروع أنفسهم، وثقافة ضد الحصار هذا بالقدر الذي فسح المجال لأصوات شعرية مميزة حقاً، الا انه كان من ناحية أخرى فرصة مواتية لمؤسسة النظام كي تأتي بنماذج رديئة للغاية وتطبع لها تحت شعار قصيدة النثر، لتخرب الذكرى العطرة لنصوص قصيدة النثر العراقية الجادة..
عامان فقط شهدا في العراق صدور العشرات من الروايات، العراق المحاصر دولياً، والعراق المحاصر من قبل نظامه الحاكم، وهي نسبة عالية جداً من الانتاج المعلن ولا شك.. ولكنها حتماً ليست تلك التي تفرح القارئ، كما أشار الركابي في كلمته السابقة، بل هي مدعاة للريبة،.. فاذا كان صاحب القرار والرؤيا وحده أصدر ثلاث روايات في عامين فماذا ترى على الكاتب أن يفعل؟ هذا سؤال قاد بالنتيجة الى سباق محموم من قبل الكتاب العراقيين لا لاثبات حسن نواياهم فحسب بل وأيضاً لاثبات حسن اصغائهم للتوجيهات، وبما أن روايات الرئيس ناقشت برمزية ساذجة قصة الحصار والحال الكردي والمناضل البعثي وحروب النظام وما الى ذلك من قصص، فان على الروائيين العراقيين بالضرورة أن يكتبوا عن تلك القصص، ومن هنا سردت الروايات الصادرة قصصاً عن الانتفاضة العراقية في عام 1991، والتي يسميها اعلام النظام بصفحة الغدر والخيانة، في كذا رواية مثلاً، كما كانت حاضرة في تلك الروايات ثيم الرئيس الأخرى، وربما نظرة سريعة على عناوين تلك الروايات تفضح مراميها بجلاء، فالعنوان «عتبة النص» كما يرى النقاد.
هذا التماثل، بين روايات الرئيس وروايات الكتاب العراقيين، ينتقل من المتن السردي للروايات الى أغلفة الكتب، وهي مفارقة أخرى مضحكة حقاً.. حيث تجد الأغلفة تزدان بلوحات تشكيلية تعبيرية رومانسية متشابهة بشكل مذهل.
وفي النقود والتحليلات التي أعقبت تلك الاصدارات ونشرت في الصحافة العراقية ستجد مفارقة جديدة تتمثل باستخدام لغة نقدية وقاموس واحد موحد.. وللتدليل على ذلك يكفي أن نورد هنا مثال واحد لتلك النقود والمتابعات سيجده القارئ في كل متابعة يقرأها عن تلك الاصدارت، والمثال أدناه هو مقال نشرته احدى الصحف البغدادية مؤخراً يعرض فيه كاتبه لرواية الرئيس الأخيرة «رجال ومدينة»، وقد حذفنا من المقال فقط الاقتباسات التي أخذها من نص الرواية وأبقينا على تحليلاته للنص.. وهي التحليلات الوعضية والارشادية بلغة تربوية واضحة التي سيجدها القارئ لمجمل النقود التي لاحقت الروايات التي صدرت في هذه الفترة وانسجمت مع مشروع الثمانين رواية، يقول المقال: لا يعنى هذا المقال بالحديث عن الشخصيات النسائية الحية التي تصورها رواية «رجال ومدينة» قدر عنايته بعرض رؤية الرواية لشخصية المرأة التي تحبذها، تكون نموذجاً او قدوة حياتية للنساء في الرؤية والسلوك والقيم والمواصفات النفسية والاجتماعية والفكرية، ولو ان اغلب هذه المواصفات يتعلق بصبحة ام البطل عندما نقرأ رواية «رجال ومدينة» نجد اشارات مباشرة او غير مباشرة الى المرأة الحصيفة، ترد في التأملات الفكرية للراوي وفي تعليقاته على الاحداث والشخصيات وفي الوقت نفسه نجد مثل هذه الاشارات في احداث تقوم بها او تشارك فيها شخصيات نسائية من ذلك ما يقوله الراوي عن دور المرأة الام في التربية كيف تكون مدرسة لابنائها وبناتها، وكيف تقص عليهم دائما كلما يتعلق بابائهم واجدادهم، من فضائل وبطولات وقصص الشهداء الذين ضحوا بارواحهم من اجل الوطن والكرامة حتى يشب الابن عاشقا لاهله واجداده ووطنه وتراب ارضه.
ومن السجايا الحميدة للمرأة الام ايمانها بالعلم والمعرفة في بيئة ريفية لا ترى ان للعلم دوراً وفائدة كبيرة في الحياة، كما نجد صبحة توافق من غير تردد على دخول ابنها صالح المدرسة (...) وفي الوقت نفسه تشير الرواية الى عادات سلبية تشيع عند النساء، لكن المرأة الحصيفة تنأى عنها في سلوكها، مثل حمى الشراء والميل اللاعقلاني الى الاستهلاك، واعني بها الشراء من اجل الشراء، وليس من اجل الحاجة، فالراوي البطل يروي عن نساء احدى محلات الكرخ في الخمسينات كيف كن يشترين القماش بحسب الحاجة اليه ومثل ذلك تربية المرأة الام الابن على قيم الفروسية والشجاعة والنخوة والاستعداد للتضحية وكذلك غرس قيم الآباء والكرم والعفة والترفع عن الصغائر ومن هذه العادات السلبية المبالغة والافراط في زيارة المرأة المتزوجة لاهلها، وهو امر قد يؤدي الى اثارة مشكلات ومتاعب عدة للزوج والعائلة (...).
فالمرأة الحصيفة عندما تتزوج ويكون لها بيت مستقل، تعرف انها صارت مسؤولة عن عائلة تتفرغ لشؤونها الخاصة، ولا يعني هذا انها بهذا تتخلى عن اهلها، لكنها تبقى تزورهم بين وقت واخر بشكل عقلاني وعلى حسب فراغها وفراغ زوجها وظروفه.
ومن فضائل المرأة ترقية حواسها حاسة البصروالسمع والشم والخ. مما يجعلها في كل جوانب الحياة، ميالة الى الترتيب والنظام والنظافة، وهو امر تسفر عنه اثار ايجابية عميقة في بيتها وتربية اولادها.
والآن، قد يبدو الحديث عن صدور هذا الكم من الروايات العراقية مشجعاً أو دليل عافية على ثقافة وطنية تعاني ما تعانيه في ظل حصارات متعددة، منها حصار الثقافة والحرية، ولكن القصة ليست كذلك أبداً، ذلك أنها تلقي ظلالاً كئيبة عن حال الثقافة في العراق، ذلك الحال الذي وصم جزافاً بعصر الرواية الذهبي في العراق وهو ليس كذلك في تقديرنا بالرغم من ايماننا العميق بأن سنوات التسعينات، مثلاً، قد شهدت عدداً وفيراً من الروايات العراقية التي صدرت في المنافي وشكلت علامات مميزة في الرواية العراقية، كما صدرت روايات أخرى مهمة داخل العراق، مثل روايات الكاتب طه حامد الشبيب على سبيل المثال لا الحصر، من الممكن القول عن هذه الروايات مجتمعة، وقد كتبها أدباء معروفون وكذلك أدباء جدد، أنها تبشر بعصر جديد للرواية العراقية، عصر فيه من الخصوصية ما جعل رواياته تمتلك خصوصيتها اللافتة حقاً بعيداً عن قياسات المؤسسة ممثلة بالهام قائدها!

**********

 جريدة الشرق الأوسط في 4 تموز 2004

عنوان المقال من وضع الصحيفة.

***********************************

 مقالات في الشأن الثقافي