من أجل تنفيذ (جدارية وطني) للفنان الرائد محمود صبري
 

فيصل لعيبي


يحتفل العراقيون من المثقفين المتنورين الديموقراطيين والتقدميين ، بثمانينية الفنان الكبير والرائد الملهم محمود صبري. وهم بهذا يعيدون تقليداً جديداً نسبياً في عالم المعرفة والثقافة العراقيتين ، حقاً انه شيء مفرح ويثلج الصدر ، خاصة في هذه الأجواء المقبضة والرعب المحيط بنا من جميع الجهات .
لكن الإحتفال والتكريم لمحمود صبري لايكتملان إلا بالإهتمام بنتاجه الفني العملي والنظري معاً،فهو صاحب مساهمات غير قليلة وذات طابع جذري ومغيّر في مسيرة الثقافة والفن عموماً.

 

 

 


-
فهل سيجري مثلاً إقتناء أعماله المركونة في شقته الضيقة بمدينة براغ ؟
-
هل ستقام له قاعة خاصة بأعماله يمكن لمتتبعي الفن وتأريخه في العراق زيارتها ودراسة نتاجاته الفنية فيها ؟
-
هل سيسترجع المتحف العراقي للفن الحديث ، بعض الأعمال الموجودة لدى بعض معارف الفنان ، بتعويض مناسب ليكمل مجموعته عن الفنان؟
-
ماذا عن مشاريعه المؤجلة، والتي تنتظر التنفيذ من جهات لها من الإمكانيات ما يعجز أي فنان عن إمتلاكها؟
-
هناك مشاريع عديدة للفنان، سواء التي كانت تعود للفترات السابقة أو الفترة التي بدأ فيها البحث في دعوته الى (واقعية الكم)، فهل ستبادر الجهات الرسمية وغير الرسمية لتنفيذ ما يمكن تنفيذه من تلك المشاريع ؟
-
ماذا عن تقاعد الفنان وعيشه الكريم، ببيت يليق به ومشغل يحتوي على مستلزمات العمل ولمتابعة البحث الجاد لأفكاره؟.
لقد أنتج الفنان محمود صبري العديد من الأعمال الفنية، التي تصلح للساحات العامة والحدائق والمتنزهات، وحتى واجهات البنايات العالية، وهي تحمل قيماً فنية عالية المستوى وعميقة المضمون .
سوف أتكلم عن عمل مهمل منذ أكثر من (45 عاماً)، كان المفروض تنفيذه خلال السنة الخامسة أو السادسة لثورة ( 14 تموز ) المجيدة، لكن إنقلاب شباط الفاشي عام ( 1963 ) أوقف كل شيء ، ولم يعد في الإمكان الحديث عن الأعمال الفنية ، فقد أصبحت حياة العراقيين أنفسهم في خطر حقيقي ودائم ، منذ تلك الساعة المشؤومة ، التي جعلت حثالات الناس تقرر مصير بلد مثل العراق ! .
كانت جدارية ( وطني ) ، التي كان المفروض أن تكون خلف جدارية الفنان الخالد جواد سليم : (نصب الحرية ) ، قد تم تنفيذالمخطط الأول لها بحدود عام 1962 ، وقد ذهب الفنان محمود صبري وقتها الى الإتحاد السوفياتي لهذا الغرض ، وللتعرف على تجربة السوفيات في الفن الجداري والنصب الفنية التي تتعلق بقضايا المجتمع ونضالات الشعوب .
لا يزال الفراغ الذي ترك للجدارية قائماً حتى يومنا هذا ، حيث تركت مساحة خالية من قطع المرمر في الجانب الخلفي لجدارية جواد .
تروي لنا جدارية ( وطني ) تاريخ نضال الشعب العراقي ، منذ بداية القرن العشرين وحتى قيام ثورة 14 تموزعام 1958 . وتتميز بالاسلوب التعبيري المؤثر ، الذي عرف به الفنان، وتضم الجدارية النساء والرجال والأطفال ،المناضلين ومنتجي قوت الشعب من العمال والفلاحين ، وكذلك الفئات المثقفة والواعية التي تساهم هي الأخرى في ذلك التاريخ .
الجدارية تمتد على طول الجدار الخلفي لنصب الحرية ، وهي منجز مهم من منجزات الثقافة العراقية الحديثة ، وتنتمي الى تلك الفترة الذهبية من ثقافتنا الوطنية المعاصرة ، حيث وضع الخمسينيون والستينيون (1940-1950-1960) مشروعهم الحضاري لعراق القرن العشرين الذي لانزال نراوح في مكاننا من أجل تنفيذه !.
ان جدارية ( وطني ) جزء من تراثنا الثقافي الديموقراطي المنسي ، وهي علامة مهمة وبارزة على إلتصاق الفنان بهموم مجتمعه وقضاياه العادلة ، حيث نشاهد فيها تلك الوجوه التي غطاها تعب السنين والكدح المستمر وعذابات الأيام وظلم القوى الممسكة بالسلطة .
مظاهرات وشهداء ودماء زكية وأجساد تهوي على أسفلت الشوارع الساخنة ، رايات مرفوعة ترفرف في سماء العراق وسواعد تتحدى الطغيان ووجوه غاضبة وعيون سومرية تبحث عن خلاص .
النساء العراقيات بملابسهن الحزينة السوداء جنوبيات ومفعمات بالتحدي والصمود ، طبول النصر والفرح بنهاية الطغيان موسيقى الشارع العراقي المرحة .
أهيب بابناء العراق الذين يدركون قيمة التراث الفني والحضاري للشعب العراقي ، أن يشمروا عن أذرعهم ويقوموا باستكتاب لجمع التبرعات من أجل تنفيذ هذا العمل المهم ، في حالة رفض الحكومة أو البرلمان القيام بتنفيذ هذا المنجز الذي يفتخر به كل عراقي يحب بلده ويسعى لرفعته . وهذا ليس بغريب على شعب العراق ، فهناك تجربة مماثلة ، سنّها الشعب المصري الرائع ، عندما قام بحملة تبرعات لإقامة نصب ( نهضة مصر ) للفنان الخالد محمود مختار ، أبن النيل الوفي .
ليكن الإحتفاء بمحمود صبري إحتفاءً بالعبقرية العراقية التي يراد لها أن تموت تحت أحذية الإحتلال ونعل الجهلة والظلاميين وبقايا عصابات النظام السابق .
تحية للفنان الكبير محمود صبري ومزيداً من الإبداع والعطاء والعمر المديد.
****

جدارية موطني

مقالات في الشأن الثقافي