كلمات عن الفرقة العراقية للفنون الشعبية

 

هذه واحدة من أعرق وأهم الفرق الفنية في العراق، ومع ذلك،  ظلت على الدوام تعاني من الاهمال على الصعد كافة. وبالرغم من أن هذه الفرقة تعد واحدة من الوجوه الحضارية للبلد إلا أن ذلك كان على الورق فقط فالحقيقة تشهد بأن هذا الوجه قد شحب وبرزت عظامه بفعل الجوع والتهميش، ولولا بعض السفرات التي حققتها الفرقة لهذه الدولة العربية وتلك الأجنبية، وهي سفرات نادرة وقليلة بالقياس لأهمية الفرقة ودورها التثقيفي والسياحي على حد سواء، نقول لولا تلك السفرات لقرأنا السلام على هذه الفرقة منذ سنوات طويلة مضت.

الفرقة العراقية، وتسميتها الرسمية الفرقة القومية، للفنون الشعبية في العراق ليست مطلباً ترفياً يمكننا الاستغناء عنه أو تهميشه بهذه الطريقة التي دامت لعقود طويلة، فهذه الفرقة وشقيقتها الفرقة الوطنية للتمثيل، تعدان في تقديرنا من أبرز الواجهات الثقافية للبلد، ولقد كان نتاج هذين الفرقتين على الدوام يعد المعيار على تطور الفنون العراقية بالنسبة للمسرح فيما تقدم الفنون الشعبية نفسها من خلال فرقتها الأم بسلاسة ويسر لجمهور عريض من المتابعين العراقيين والعرب وفي العالم المختلف أيضاً مما يؤهلها لتصبح دليلاً عاماً عن السكان العراقيين وعاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم ايضاً ناهيك عن لغاتهم وأغنياتهم وأزياءهم.

لقد تجلت أبرز مشاكل الفرقة العراقية للفنون الشعبية في قضية المقر، حيث عز المقر عليها في العقود السابقة وكان أعضاء هذه الفرقة يتنقلون كل يوم من مقر مؤقت إلى آخر حتى استقر بهم المقام في قاعة الشعب في الباب المعظم، وبالرغم من كون هذه القاعة غير مؤهلة تماماً لعروض الفرقة الاستعراضية، تلك العروض التي تتطلب إمكانات تقنية وصوتية وبصرية كبيرة، إلا أن الفرقة وبجهود إدارتها التي يقف على رأسها الفنان القدير قاسم الملاك والفنان المجتهد فؤاد ذنون المشرف الفني للفرقة وجهود كادرها الفني من راقصين وراقصات أن تقيم أمسيات شبه منتظمة من على هذه القاعة حيث يحتشد الجمهور ليستمع إلى وصلات غنائية عراقية قديمة بمصاحبة رقصات تراثية تعبر عن الثقافة المحلية في مختلف بيئاتها ودياناتها وقومياتها، ولعل من أبرز الرقصات التي قدمتها الفرقة في هذا الإطار ويعرفها الجمهور كانت رقصات: الحسجة، وهي رقصة تعبر عن تقاليد الأفراح لدى الغجر في العراق، ورقصة الباكورة التي تظهر مشاعر الشجاعة والكبرياء ورقصة الحجل أو الخلخال، وهي رقصة نسائية ورقصة بغداديات التي تتحدث عن التقاليد البغدادية وفيها يزاحم الشباب بائعة الحليب ورقصة الساس التي تبرز قيم الفروسية.. وتقدم الكثير من هذه الرقصات بمصاحبة موسيقى فلكلورية تنسجم وبيئة الرقصة سواء أكانت كردية أو بغدادية أو غربية( مناطق العراق الغربية) أو جنوبية وهكذا، كما تستخدم في الكثير من هذه الرقصات أصوات غنائية عراقية معروفة مثل أغنيات الفنانين ناظم الغزالي  وأمل خضير وسعد الأعظمي وسعدي توفيق البغدادي وسعدي البياتي وسعدي الحديثي، كما قدمت الفرقة مؤخراً رقصة على أنغام أغنية للفنان كاظم الساهر تتغنى بالعراق. وتحتفظ الفرقة بفرقة موسيقية خاصة تضم عازفين على أهم الآلات الموسيقية العراقية التراثية مثل الجوزة والقانون والكمان والعود والطبل والدف والناي.

والفرقة العراقية للفنون الشعبية تأسست في مطلع سبعينيات القرن الماضي لتكون الفرقة الوحيدة المتخصصة بتقديم الفولكلور العراقي المتنوع، ولقد أريد لهذه الفرقة أن تكون الممثل الفني والجمالي للأقوام العراقية المختلفة بالرغم من أهمية تاسيس فرق أخرى

تقوم بتقديم ألوان الفنون المحلية، ولكن فرادة الفرقة عراقياً لم يشفع لها أمام أولي الأمر لجهة تحسين معيشة أعضاءها ومنحها المقر الملائم لجهدها الوطني الحضاري ولا من خلال مدها بعناصر النجاح والتواصل فبقيت، كما ذكرنا قبل قليل، تبحث على الدوام عن مقر مناسب لها، فيما يعاني أعضاؤها من شظف العيش ما جعل من إمكانية انتساب أعضاء جدد لها بمثابة معجزة حقاً.

ويكاد أغلب أعضاء الفرقة، وخاصة أعضاؤها المؤسسون، يتفقون على الدور التأسيسي للفنانة الأذربيجانية قمر خانم التي قامت بإعداد أبرز الرقصات الأولى للفرقة، ولكن فكرة استقدام مدربين أجانب لتطوير قابليات عناصر الفرقة البدنية ومعارفهم التقنية كان من المحظورات دون سبب بين، وتبدو الفرصة مؤاتية اليوم أكثر من أي يوم مضى لتحقيق ذلك من أجل الحصول على أحدث المهارات في الرقص الشعبي وتأصيل العراقي منه، أو إيفاد عناصر شابة من عناصر الفرقة لدراسة مناهج الرقص العالمية في الدول المتقدمة من أجل تحقيق الهدف ذاته وتطوير عمل الفرقة، فالملاحظ على الرقصات التي تؤديها الفرقة أنها رقصات مكررة وحركاتها متشابهة، وبالطبع فإن هذه الملاحظة لا تقلل من عمل أعضاءها ولكنها تؤشر مدى حاجتهم إلى خبرات جديدة دولية.

وفي تقرير محلي نشر مؤخراً يقول عدد من أعضاء الفرقة أن من أهم العوائق أمام الأعضاء الجدد يتمثل في مسألة الرواتب، حيث تمنح الرواتب لأعضاء الفرقة حسب نظام التمويل الذاتي، وهو النظام الذي عمل به منذ سنوات وشمل العديد من القطاعات الثقافية والفنية العراقية، ولأن نتاج الفرقة العراقية للفنون الشعبية ليس بالنتاج الذي يمكن أن يحقق إيرادات مرتفعة ما يعني ارتفاع نسب رواتب العاملين فيها فيصبح اللجوء إلى مساعدة الدولة في هذه المرحلة، التي أعدها تأسيسية لعمل الفرقة، ضرورياً جداً من أجل الانتقال إلى المراحل القادمة وأهمها صناعة فرقة وطنية كبرى معنية بالفلوكلور العراقي وبأحدث الطرق والمواصفات الفنية العالمية، وبالطبع فإن هذا لن يتحقق في الوقت الحاضر مع عدم وجود داعمين وممولين لمثل هذا المشروع الحضاري حيث تبقى مساعدة الدولة العراقية هي الأبرز والمطلب الأكثر جدية وواقعية.

إن الفرقة العراقية للفنون الشعبية بحاجة ماسة للكثير، وأول هذا الكثير هو في رفدها بعناصر جديدة شابة تكون قادرة على مواصلة ما بدأه فنانونها الرواد، ومن المؤسف أن تقرأ في صحافتنا المحلية عن أخبار أعضاء هذه الفرقة الكبار وكيف يعيشون بلا تأمين أو يعانون من أزمة سكن أو يحرمون من مرتبات تقاعدية مناسبة لجهودهم الطويلة جداً في هذه الفرقة.

وبالإضافة إلى عدد معقول من الراقصين والراقصات فإن الفرقة لا تستغني عن جهود الفنانة القديرة هناء عبد الله، والتي تعد من مؤسسات الفرقة، حيث تقوم اليوم بتصميم الرقصات بإشراف الفنان فؤاد ذنون بالإضافة إلى مشاركتها الفاعلة في بعض الرقصات، ونشير إلى الفنانة المتميزة صبرية أحمد  راقصة الصولوبالفرقة منذ سنوات بما تمثله قسمات وجهها السومرية الواضحة من جماليات تؤهلها لتكون خير سفير للفنون العراقية.

أخيراً يبدو طموحنا مشروعاً في تقديم مشروع متكامل للنهوض بمستوى عمل الفرقة العراقية للفنون الشعبية وذلك من خلال تأسيس الدار العراقية للفنون الشعبية على أن يخصص لها ما يناسبها من مباني وإمكانيات بشرية وتقنية مستثمرين الحديث المتواصل في عموام الوطن عن الفئات العراقية المختلفة، وأحسب أن تاسيس مثل هذه الدار سيمكننا التأكيد على ميزة التوع العراقية التي تمثل عامل توحد للشعب من خلال إنتاج فعاليات فنية على طول العام عبر استدعاء الرقصات والأغنيات الشعبية لمختلف الأقوام العراقية، فهل يصعب تحقيق مثل هذا الحلم؟

 **********

  مقالات أخرى في المسرح