شاعر عراقي في «معتقل التهذيب»

اعتقال عبد الزهرة زكي في بغداد قبل أسابيع نبأ عادي بالنسبة لعدد كبير من المثقفين



يبدو نبأ اعتقال الشاعر العراقي عبد الزهرة زكي في بغداد قبل أسابيع نبأ ليس غريباً البتة بالنسبة للمئات من مثقفي العراق ومبدعيه، كما انه سيكون نبأ عادياً أيضاً بالنسبة لعدد كبير من المثقفين العرب المعنيين حقاً بروح الحرية والجمال.. على أن هذا النبأ من جهة ثانية يحيلنا إلى قسوة الوقائع التي تحيط بالعراق، وبالتحديد تلك التي تحيط بنخبة العراقيين.
عبد الزهرة زكي، الذي عايش جيل السبعينات الشعري وكانت انطلاقته القوية في الثمانينات، ظل مخلصاً لمشروعه الشعري الخالص وبعيداً تماماً عن المناوشات الاعلامية وغيرها التي كانت سائدة في ذلك العقد الشعري الفريد، عقد الحروب والموت المجاني والشعر أيضاً، وهو في سيرته الرقيقة بدا فقيراً بين جموع الكسبة، يسكن بيتاً آيلاً إلى السقوط بعائلته الكبيرة في أطراف مدينة بغداد، وكان الرهان، رهان السلطة، على سقطته الوشيكة عندما عينوه مشرفاً ثقافياً في جريدة «الجمهورية» البغدادية، ولكنه ظل عنيداً معهم طيلة أكثر من عشرة أعوام هي سنوات عمله في الجريدة. كان محرراً خارج اشتراطات المؤسسة.. وقد كانت الصفحات الثقافية التي يشرف عليها تتراوح بين أقصى التطرف في الابتعاد عن خط السلطة وبين أن تماشي نزقها عبر مادة أو مادتين يتيمتين يعرف زكي أنهما لن يحصلا على قارئ واحد، ولكنهما فرضتا عليه (من أعلى)!
في تلك السنوات كنت أقترب من «الجمهورية» لأن عبد الزهرة زكي يعمل فيها.. وقد نشر لي عدداً من النصوص الشعرية التي كانت لا ترضي أبداً المؤسسة التي تنتسب لها الجريدة، كما هي حال العديد من نصوص زملائي، والطريف هنا انني عندما أعدت نشر نصوصي تلك في مجموعتي الصادرتين أواخر التسعينات كانت تحسب باعتبارها نصوص (معارضة) أو بلغة أكثر لطفاً: انها نصوص كتبت في فضاء حر ولا يمكن أن تكون عكس ذلك. واحدة من تلك النصوص كانت بعنوان: «أتذكر اسطبلاتك» وأذكر أن القصيدة كانت تبدأ بالجملة الآتية: «أيها الشرس/ متى نودع عامك؟»، وعندما قرأ عبد الزهرة زكي هذا النص قال باللهجة العراقية: (على كيفيك وياي… سأرفع فقط الجملة الأولى وأنشر المادة) وحدث ذلك فعلاً ومر الأمر بسلام فتشجعت ودفعت إليه نصوصاً أخرى كانت تنشر حسب ملاءمة الأوضاع.
انفتاح عبد الزهرة زكي، كمشرف ثقافي، لم يشملني وحدي، بل شمل العشرات من الكتاب والمبدعين، وقد توسع في قسمه الثقافي ليفتتح صفحات متخصصة كثيرة مثل: صفحة تعنى بأدب الشباب وأخرى تعنى بالمسرح وثالثة بالتراث وهكذا.. كان هذا الاشتغال غير محبب من قبل كثيرين، ولكنه من جانب آخر كان يمثل احتيالاً من نوع ذكي للغاية على غباء الرقيب وسلطاته القاتلة.
في سنوات التسعينات هذه، أصدر عبد الزهرة زكي مجموعته الأولى، التي كانت بعنوان «اليد تكتشف»، وصدرت عن منشورات أسفار التي توقفت بعد ذلك نهائياً، المجموعة التي امتازت بعباراتها المحملة بعمق فلسفي وصوفي كبير قدمت شاعرها، صاحب الشعر الأشيب، متأخراً كما اعتقد الكثيرون، ولكنها في الوقت ذاته مثلت له بوحاً من نوع خاص، بوحاً ينسجم وطبيعة عبد الزهرة زكي الإنسانية، تلك الطبيعة التي تميل إلى الصمت والتأمل.
ولكن عبد الزهرة زكي فاجأ أصدقاءه قبل قرائه بقصيدته التي ذاعت شهرتها، «هذا خبز».. تلك القصيدة التي كان شاعرها يطلع أصدقاءه عليها، كما لو كان يطلعهم على منشور سري. وبالفعل كان للقصيدة أثرها البارز الذي جاء من تشكلها من عجينة المادة المأساوية في العراق والمستمرة فصولها منذ سنوات، حتى قبل سنوات الحصار، التي كانت القصيدة قد تمركزت حولها. وأثر القصيدة جاء أيضاً من انعطافة شاعرها المباغتة، تلك الانعطافة التي تميز الشعراء الموهوبين إجمالاً، فمن أقصى التطرف الفلسفي إلى أقصى التطرف اليومي، واليومي في الشعر العراقي المعاصر صار سمة، سمة واضحة وفريدة حقاً! يقول عبد الزهرة زكي في «هذا خبز»:
وتعالي
هذا الكلام من فضة..
وهذه الحنطة من ذهبٍ
فاستبدل لك الذهب بالفضةِ
خذي الكلامَ
واكسبي الحنطة..
وفي نص آخر كتبه زكي بعد «هذا خبز» وعنوانه «الملائكة تموت على شرفات مستشفى الأطفال»، يضيف بلوعة عراقي يعيش والموت جنباً إلى جنب:
على الأسرة
تترسب ساخنة،
دموع الأمهات،
وتتيبس تضرعاتهن، سوداء،
على الأثداء، وقد جفت ينابيعها…
لم يكن نجاح النص مفتاحاً لسقوط كاتبه، هذه القاعدة التي يتوقعها الكثيرون لمثقفي العراق الذين يعيشون تحت النار، بل دفع صاحبه إلى الإيغال بالتجربة فأتبع النصين بمجموعته التي صدرت قبل حوالي عام أو أكثر عن بيت الشعر الفلسطيني وحملت عنوان «كتاب اليوم .. كتاب الساحر».
اشتغالات عبد الزهرة زكي في نصوص المجموعة الأخيرة تحيلنا إلى اشتغالاته في النصين المذكورين، والفضاء الذي تتحرك فيه هو فضاء الحصار تحديداً وتفرعاته المعروفة.. كان الحذر الذي يميز نصوصه شبيهاً بالحذر الذي أشار إليه سعدي يوسف وهو يكتب عن مجموعة الراحل رعد عبد القادر قبل رحيله بأسابيع! وهو ذات الحذر الذي ميز تجارب شعرية عراقية لافتة، وكذا قصصية وروائية ومسرحية، فقد غاب اصطلاح (مقص الرقيب) من الساحة الثقافية العراقية تماماً منذ سنوات طويلة، ربما منذ عام 1979 وحل بدلاً منه مصطلح جديد هو مصطلح (معتقل التهذيب) المتبوع في حالات كثيرة بمصطلح آخر هو (مسدس الرفيق)!.. والحال أن عبد الزهرة زكي قد اعتقل قبل أسابيع لأنه أعلن، بحذر أيضاً، على مسمع ضيفه الزائر في مكتبه بجريدة «الجمهورية» عن آرائه حول نتيجة الحرب القادمة!! كان هذا الإعلان قد تم تسجيله بالكامل من قبل الضيف! كما كان التسجيل كافياً ليذهب صاحبه إلى أقرب معتقل للتهذيب (ومصطلح التهذيب هذا مقتبس من كلمة لوزير عراقي قال فيها ان السجون العراقية هي للتهذيب ليس إلا!!). وبالطبع لا نحن، ولا أي عارف يستطيع التكهن بمدة سجن التهذيب هذا ولا بما يمكن أن يؤدي إليه!
إن اعتقال عبد الزهرة زكي، الذي يمثل من زاوية ما اعتقالاً متكرراً للشعر في بلاده، وفي هذا الوقت بالذات يدفعنا إلى التساؤل عن طبيعة النظام في بغداد، ذلك النظام الذي ينظر إلى الشعراء من فوهة مسدس ومن زر آلة تسجيل صغيرة مدفونة في الجيوب، وهو بذلك يكشف حقيقته كنظام ليست الدموية قرينه وحسب بل أضف إلى ذلك ولعه باغتيال الشعر.

**********

 جريدة الشرق الأوسط في 20 مارس 2003.

عنوان المقال من وضع الصحيفة.

***********************

 مقالات في الشأن الثقافي