يعود الشعراء إلى الخراب

 كم كنت أتمنى زيارة لبنان!! ذلك الحلم الذي يراود الشعراء الشبان وهم يتلمسون خطواتهم الأولى في ذلك العالم الرحب والقاسي، والذي مهره مبدعون كبار بنزيف قلوبهم الدائم!!، كنت أتوق إلى البلاد التي قرأنا عنها: مجلة شعر ويوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وعباس بيضون.. ولكن حلم العراقي لا يشبه حلم غيره.. كنت ولدت بعد أيام من ثورة صدام حسين وجماعته، وفي تلك الأيام صار السفر فجأة ممنوعاً!، أنهيت الإعدادية ثم الجامعة وأنا أحلم بالسفر، ولكن السفر جاءني بطريقة ثانية، غير مألوفة للكثير ممن هم في عمري من الجنسيات غير العراقية، إنه سفر المنفي!، هكذا عبرت الحدود العراقية راكباً سيارة!، أي سفر هذا يا ألهي؟ ولكن السفر الحقيقي جاء عندما ركبت طائرة للمرة الأولى في حياتي، حدث ذلك عندما صار عمري أكثر من ثلاثين عاماً!! يا للحلم وقساوته، ومع ذلك، فسفري بالطائرة أو بالسيارة من قبله لم يكن محكوماً البتة باختياري، بل باختيار غيري، وفي الحالين ظلت الأماكن العزيزة على ذاكرتي صعبة المنال، ومنها بالطبع لبنان..

ولكن ما مناسبة هذا الحديث اليوم؟

في ملحق النهار كتب الشاعر عقل العويط مقالاً افادني كثيراً، أفادني بالرغم من أنه كان عن لبنان الحلم، فوجدت الذاكرة تنحرف لتصل إلى بغداد!

كتب عقل العويط تحت عنوان: الشعراء سيعودون في أحد الأيام يقول:

"تقوم القيامة في فرنسا، اليوم، لأن البعض يحاول أن يستدرج الآداب والفنون جميعها الى الفخّ الاستهلاكي، التسويقي، السلعي، الترويجي، عاملا على "ترويض" الثقافة بجعلها رهينة لمشاريع الربح والاستثمار المالي." وهنا تعود ذاكرة الشاعر، كاتب المقال إلى بلاده، فيواصل:   

"لا أحد في فرنسا يستطيع أن يشوّه الطبيعة أو أن يهدّد الانسجام العمراني والتناغم بين هندسة البيئة وهندسة الجمال. وكلما حاول بعضهم أن يفعل ذلك، وجد "ضميراً" عاماً أو فردياً يردعه ويردّه على اعقابه. وهذا يحصل ليس في العاصمة الفرنسية فحسب بل حتى في الاماكن النائية. ويستهويني أن أتذكر الآن تلك السيدة الفرنسية التي تملكها الغضب الشديد حين، في نحو منتصف الليل، شاهدتْ على أحد الجدران زجاجة فارغة وكيساً فيه بعض النفايات. كانت تلك السيدة السبعينية وحيدة، ولم يكن من شاهد عليها سوانا نحن الغريبين، وهي تحمل تلك النفايات لترميها حيث يجب أن تُرمى.

لا أحد في فرنسا يستطيع أن يهين الفرد أو يجرح كرامته أو ينتقص من حريته. الفرد مقدّس شأنه شأن أي جوهر. لا الطائفة ولا الجماعة ولا الدولة نفسها في إمكانها أن تتطاول عليه. لا أحد ولا قانون يعلو على قداسة الانسان. والامثلة الفرنسية لا تُحصى في هذا الباب. وهي صنو الهواء والحواس الخمس والحاسة السادسة أيضاً. ... أما في لبنان فلا كرامة لشيء أو لأحد. ولا كرامة، بالطبع، للشعراء أو للثقافة." 

هنا بالضبط توقفت، تركت حلم لبنان يغوص في ذاكرتي، فلست مخولاً بالحديث عن حلمي، ولكنني مخول تماماً بالحديث عما أعرف وما أعرفه عن البلدان لا يتجاوز بلدي العراق والأردن حيث أقمت بعد فراري من العراق ثم أستراليا حيث أقيم منذ حوالي العامين.. 

حديث العويط عن فرنسا أعيشه كل يوم هنا في أستراليا، وفي كل لحظة أعيشها تندلق أمامي عشرات الصور عن بلادي، أتحسر بحرقة، كتبت ذات الجملة التي كتبها جون أوزبورن وصارت من أهم مسرحيات العصر: أنظر إلى الوراء بغضب… لا شيء سائب في هذه البلاد التي قذفتنا فيها الأمم المتحدة ، فيما كل شيء سائب في بلادنا.. روى لي أحد العراقيين هنا حادثة ذات مغزى، قال : أراد أحد التجار إقامة كافتيريا حديثة على قمة أحد الجبال التي تشرف على مدينة أديلايد عاصمة ولاية جنوب أستراليا، وبعد أن شرع في العمل نصحه المهندسون بإزالة أربعة أشجار كانت تعيق المنظر، رفع التاجر أوراقه إلى كل من يهمه الأمر في أستراليا ولم يكن نصيب طلبه إلا الرفض، الصحافة والتلفزيون، الحكومة ومنظماتها، وكذلك المنظمات غير الحكومية، تظاهرات هنا وهناك ويافطات معلقة في الشوارع… ضجت الدنيا من حوله ولم يسمع غير صوت واحد: موافقتنا على إزالة شجرة معناه موافقتنا على إزالة ما لا يعد من الأشجار.. رضخ التاجر للحكومة والناس وأقام مقهاه وراء الشجيرات الأربع…. القصة ذات مغزى لمن يعرف أستراليا والتي لا تضاهيها أي بقعة بكثافة الشجر ومن كل الأنواع …  

اتخيل هذه الحادثة وقد جرت فصولها في بلادي!!!

عمري كله لم يكن فيه دجلة ذلك الرفيق الذي كنت أريده!! عقود طويلة ودجلة ممنوع علينا، حتى في العمارة، مدينتي الصغيرة التي تقع جنوب العراق، شيدوا على ضفاف النهر بيتاً لمحافظ المدينة وآخر لضباط المخابرات ومجموعة بيوت للرفاق الكبار في حزب البعث، ولم ينسوا بالطبع تشييد أبنية أخرى بمثابة مضافات للسيد الرئيس عندما يحل ضيفاً على المدينة (أيام الحرب مع إيران لأنه كف عن ذلك منذ انتفاضة العام 1991) مثل: دائرة المخابرات واتحاد النساء وغيرهما!!!! وبالرغم من ذلك كان رهط المادحين يفوق التصور، أنهم يمدحون خراب البلاد ولا شك!

تتكاثر النفايات في الشوارع حتى تصير تلالاً تزكم الأنوف، السيارات تسير بأقصى سرعتها في شوارع فرعية صغيرة، لا حدائق يلهو بها الأطفال والعجائز، أما قصة الأشجار فأغرب القصص، حيث جاء يوم على الأشجار وقد صارت محل شك القيادة فقامت بتقطيع أوصالها في البصرة والحلة وبغداد، كانت الحجة أن الأشجار تحمي ظهور (الغوغاء) ويقصدون مقاومي النظام السابق!..

هل يعود الشعراء حقاً إلى الحياة؟ هل يخرجون من ثياب الردح للملك ونائبه؟ من يطعم صغار الشعراء إذا ما كف الأباء عن المديح والتخاذل؟ كيف يعيش الشاعر إذا ما خان السيد الرئيس ورفض هديته التي لم تكن غير مسدس؟ من يستمع للشاعر وهو يهذر عن الجمال والحرية؟ أي لحم يطعم أبن الرئيس نموره الجائعة إن لم يكن لحم الشاعر الحالم، والحالم فقط؟ الشعراء لا يعودون إلا للخراب، هكذا تعلمت، وكان علامي فيه الكثير من الخطل، ولكنني تعلمت ويا للأسف! فالشعراء أيضاً يقطعون الأشجار من أجل قوت أطفالهم!. 

 وبعد هذا وذاك، هل لنا أن نحلم؟ والأحلام التي أعنيها بسيطة للغاية، كأن يعاد الاعتبار لأشياء كثيرة أهملناها سنوات طويلة ، المساحات الخضراء، الأشجار، الطيور، دجلة والفرات، جبالنا الجميلة بطبيعتها، الجسور، الشوارع العريضة المريحة، الأسواق… وقبل كل ذلك الإنسان، انساننا العراقي المعذب والتعب أيضاً، فقد حان الوقت حقاً لكي يشعر العراقي بمتعة العيش في وطنه بلا أزمات ولا خوف.

***

الشعراء سيعودون في أحد الأيام، عقل العويط، ملحق النهار الثقافي تاريخ 27/7/2003.

****

 مقالات في الشأن الثقافي