شبابيك

 

خدعني بدر شاكر السياب عندما ألحّ على شباك وفيقة*، كنتُ أجوب الأزقة فلا ألقى سوى طارمات غابرة، تعبتُ من البحث في الشبابيك، فأين وفيقة؟. سنوات طويلة ونحن لا نوفقّ إلا في الألم. ليس لي إذن سوى غنائم شارع دجلة**، حيث المارّة المحنطون بفعل الطيبة والعزلة. أتذكّر مقاهيهم ولا يصمد غير علي سعدون***، الرصيف هنا يتحول إلى شباك طويل. ما الذي جنيناه من الشبابيك يا بدر غير احتلامات متكررة؟. هكذا، نفزُّ على وقع خطى زائر عتيد لا يمنحنا سوى شجارات العائلة. مضت طفولتنا ممتلئة بالتلويح إلى سيارات صغيرة كانت تحمل فتياناً يحلمون بالشبابيك إلى منخفض مقدس. مضت طفولتنا مثل أي قميص علّقته في سوق الجمعة... في شارع دجلة فقط شهدت أكثر من مليون تلويحة وضعف ذلك من التصفيق، عندما أتذكر هذا أهمس: كم تعبت يداي!، أؤثث شباك الذاكرة ببقايا المغادرين، وأصفن في الليل قائلاً: أوه... كم كانوا لطفاء.

- إش ... بدأت الحرب.

هذا ششباك ينفتح وسع أحلامنا، ليبتلع الكثير من الشَّعر الناعم تاركاً رؤوساً حليقة ونساء يحدقن من الأسرّة. إذن مخطئ باختياره الشباك، كان عليه أن يقول الأسرّة، الأسرّة التي تتراكم مثل قاووش للولادة. ينهض مفزوعاً، لأن أمّه ليست حواء. ماذا يفعل؟ شباك وحيد يطلّ على الحقيقة، يغلقه بأسنانه ويرجع إلى السرير.

-         صديقي أيها الألم:

ها أنت تفتح شبابيكك بوجهي واحداً واحداً، وأنا أكتفي بأن أحدق بأكبرها حجماً، لا أرفع صوتي ولكنك صامد مثل إله فرعوني. قلت لك: وحيد أنا الآن بعد كل هذا السفر، أصبحتُ سهلاً ومزاجي بحموضة نارنجة، ها أنذا سهل الاستباحةمثل نادل، يتقدم عمري دون أن أفتح شباك الجمال. لا رموش من ليل تسهر جواري ولا مخدات من أنوثة أغفو عليها، أحاول أن أفكر قليلاً بالمصائر وأنت تكثر من فتح شبابيكك بوجوهنا... ياه... ليس من الحكمةفي شيء كل هذه القسوة، مخلوقات هائلة الصغر ومع ذلك فنحن الأكثر تعرضاً للإزاحة. هذه الطفلة التي غمزت لصديقي لم تكن قط مدمنة، وإذا كان دخولي اليومي إلى المقهى ليس إدماناً، فإنها- أي الطفلة – وأنا نمشي بحكم العادة.

 

هل يكفي شبّاك واحد لتفريغ غضبي؟ الأمنيات صارت عجائز يقمطن فضائحي. خذ مثلاً الشبّاك الوحيد في غرفة ضيقة، سجن انفرادي في الجبهة أو فندق في العاصمة، في الحالتين يرتدّ الشبّاك إليك، وهكذا تمضي وقتك مفكراً بنبيلة عبيد.

دائماً يبتسم، خيّل إليّ أنه يسخر مني، ثمّ تبين أنه لا يشعر مطلقاً بوجودي. هو أيضاً عنده شبّاك يطلّ منه، شبّاكه من ذهب وشبّاكي من حديد. كل ذلك الوضوح وأطالبني بمبررات، في لحظات ما أصرّح قائلاً: لست مسؤولاً عن ترك الحبيبات لحيلة الشبّاك، وتتظاهر النساء في اليوم التالي ضدّ تخرّصاتي... أقول: إن طريقة الغرام اختلفت فبينما الشبابيك كانت تمثل سكريناً هائلاً للمعشوق أصبحت الآن تمثل شناشيل يرسمها المستشرقون. دلّني على شبّاك أخير، لقد وعدتني بوفيقة، وها أنا أسحل تمثالك لأضعه أسفل الشبّاك، ماذا حصل؟ هي تزوجت من رجل ثري وأنت مرضت ثمّ متّ... وأنا لا أجد شبّاكاً أخيراً.

****

أيلول 1994

*شباك وفيقة: قصيدة معروفة للشاعر الكبير بدر شاكر السياب.

** شارع دجلة: أهم شارع في مدينة العمارة، جنوب العراق.

*** علي سعدون: شاعر شاب مجايل للشاعر في مدينة العمارة.

 

نازحون