ردود

تعقيب على مقال

العودة الى المسرح ا لعراقي

علي عبد النبي الزيدي

لا شك في ان الحياة الثقافية عندنا في العراق تعيش وضعاً مضطرباً وغريباً، بين بطولات ثقافية كانت وبين عضلات جديدة تبدو بارزة اليوم، تشهر بوجهك كلما حاولت ان تقول بأنك ما زلت حيا وسط عالمهم الذي قد لا تنتمي اليه الا بظلك، بل قد يصل الامر عندما تتحدث بجرأة ليست بجديدة عليك، يحاول البعض ان يضع هذه الجرأة في وعاء الاتهامات، ويرى انها قد جاءت متأخرة، في حين ان نتاجك الادبي وصيحاتك وصرخاتك ليست بخافية عن الحياة ما قبل التغيير وما بعده. ورداً على مقالة الناقد عبد الخالق كيطان المعنونة (عودة الى مسرح الصورة.. لماذا كل هذا التجني) والمنشورة في جريدة المدى العدد 423 في 27 / 6/ 2005 وهي مقالة يرد فيها على مقالة لي نشرت في صحيفة الصباح الجديد العدد 329 في 18/ 6/ 2005، رداً، ان الواقع الثقافي في العراق هو اكثر مفاصل الحياة هنا تضرراً، بل نجد اننا نعيش داخل امتداد لذلك الخراب الثقافي الذي عاش في حضن سلطة الثقافة الامية. وما بين الحقيقة والطرف الآخر تبرز الكثير من التقولات التي يحاول اصحابها ان يرتدوا ازياء فرسان من القرون الوسطى، ولكن الضحايا دائماً يلتزمون الصمت والصبر الجميل لانهم تعودوا عدم الدخول في مهاترات المقاهي وثرثرات اروقة المؤسسات، وهكذا يزداد الفرسان وتتصاعد ارقام الضحايا.ومن بين تلك الضحايا يقف امامنا (المسرح العراقي) بكامل تاريخه كعجوز اصابت التجاعيد وجهها اصابات قاتلة، وهو الان ينتظر رحمة القبور الاخيرة، واعني وزارة الثقافة!
وبالرغم من انني احاول قليلاً ان اضع لتصوراتي بعض التبريرات من قبيل التخفيف من شدة احكامي على القادة الصغار في ثقافة المؤسسات سيئة السمعة، ولكن المشكل ان الوضع يزداد سوءاً بل يغرق في القشور ويترك الروح جانباً، فمقال الناقد عبد الخالق كيطان يشير بوضوح لهذا النوع جوهر ما اشارت اليه مقالتي في جريدة (الصباح الجديد) اذ كنت ومازلت من المؤمنين تماماً بتجربة مسرح الصورة في العراق، وقلت في امكنة وازمنة ومناسبات ومقالات مختلفة ان مسرح الصورة قلب المسرح العراقي وبث فيه روحاً جديدة، كيف اتنازل عن طروحاتي كما يقول الصديق الناقد، ومقالي يؤكد بوضوح على (استخدام) مسرح الصورة كوسيلة من وسائل سلطة المؤسسات الثقافية حاله حال العديد من الاستخدامات( صحف، قنوات تلفزيونية، اذاعية، نشرات، مجلات، شراء ذمم... الخ) في زمن لا يمكن لنا ان نبرئ ساحة من صنعته المؤسسة وبات احد اعمدتها واركانها المهمة، هذا الاستخدام الذي يسير في خطوط متوازية مع سياسة الدولة في تهميش الآخر، احتضنته وراحت تدعو اليه في اهم جامعة عراقية وهي جامعة بغداد وارقى كلية وهي كلية الفنون الجميلة، اضافة الى الفرقة القومية وهي فرقة تابعة اصلاً لوزارة الثقافة وسواها من الفرق والتجمعات التابعة لدائرة السينما والمسرح.
مقالتي تشير الى (التطرف) لا الى الفن المعتدل، وتؤكد على قضية (التلقي) التي طالما قلنا وصرخنا وصرحنا بأنها اهم اشكالية في العملية المسرحية، والكل يتفق على ان المسرح قائم على فعالية التلقي، وكراسي قاعات العروض ليست هي البديل عن المتلقين. وانا أدعو الناقد عبد الخالق كيطان الى النظر بعينين واسعتين الى الحال الذي وصل اليه المسرح العراقي، سيرى بأنني فعلاً ادعوه للبكاء معي على تلك الاحلام والامنيات بمسرح يكون لصيقاً بالناس ويحمل همومهم وتطلعاتهم، ولا يغادر مناطق جماله اطلاقاً، ولكن الجمال المتوازن، الخالق، الواهب، المؤثر في حياة الناس، لا المنعزل الغارق في سبات طويل. وعندما يكون الحديث عن فعل التلقي لا يعني الركون الى القبلية والعودة الى ظرف انتاج عقود بعيدة، ولماذا تفهم بهذه الطريقة، بحيث يمكن قياس الآخر بأنه قبلي في تلقيه في حين يضع كاتب المقال نفسه من حملة راية الفكر المغاير ومن جماليي هذا العصر ويوصم الاخر بالعار.
ان حواجز كثيرة صنعت وسواتر كونكريتية بنيت، واثار قبح انتشرت وغادر كل المتلقين مقاعدهم باتجاه عروض شارع اكثر تأثيراً، بات المسرح العراقي اليوم بلا متلقين، فمن المتهم؟ من كان وراء كل هذا الموت وهذا الالغاء المؤلم لحياة واسماء وتاريخ هذا المسرح؟ ان من بين سبعة وعشرين مليون عراقي هناك (الف) عراقي فقط يتوزعون على خارطة العراق من يشاهد او يتلقى عروض المسرح وهم -بالتأكيد- من الفنانين وبعض الادباء تحديداً. وعلى الناقد عبد الخالق ان يعود بذاكرته الى سبعينيات القرن الماضي وليقل كم عدد من يشاهد المسرح انذاك، وهناك احصائيات بهذا الصدد لعروض فرقة المسرح الفني الحديث وحدها، سترى ان الفارق يدعو هو الاخر للبكاء، فمن كان السبب؟
وادعوك مرة اخرى واخرى لكي ترى افكار واعمال شباب المسرح الذين يتخرجون الان من كلية الفنون الجميلة في قسم المسرح، كيف يفكرون، سترى ما فعله الفهم (القشوري) لمسرح الصورة وستجد ان هذا المسرح قد تلاشى، ما بقي منه مجرد بقايا او ملامح، حاله حال مسرح التعبئة الذي جئت به كمقارنة في مقالك للذي يذهب والآخر الذي يبقى.
أتابع ومن زمن بعيد ما يجري في ساحة النقد العراقي، وكنت اضع المئات من علامات التعجب والاستفهام والسخط امام تلك الاسماء التي لا تحترم نفسها والتي تعيش حالة من الازدواجية لم تشهدها ساحات النقد في العالم، فماذا يعني ان تمتلئ الصحف بدراسات ومقالات عن (مسرح الثورة والقادسية ومسرح الحرب وام المعارك) وعن مسرحية (زبيبة والملك) وتصبح هي سيدة المسرح العراقي ويمسي مؤلفها ومخرجها النجم الساطع في سماء المسرح الوطني، وأحيلكم الى العشرات العشرات العشرات من هذه المقالات في الصحف المحلية والمجلات الادبية، ونحن نعرف تماماً ما وراء تلك الدراسات الفجة والمعيبة والمضحكة، ولكن المبكي ان هؤلاء هم انفسهم الذين ينظرون في الفعل الجمالي ويتسيدون ساحات النقد المسرحي عندنا، ويريدوننا بالمقابل ان نثق برؤاهم وآرائهم وتنظيراتهم، ولا ادري فعلاً كيف يلتقي الجمال بالقبح في ان واحد، ولماذا لا يغادرون عالمنا المسرحي ويتركوننا ننظف خشبات المسارح وساحات النقد من ايامهم التي لا يتمنى أي احد ان تعود.
يتعكز الصديق الناقد على بعض الاسماء مثل المخرج ناجي عبد الامير وباسم القهار وسواهما.. من الذين تركوا الوطن وخرجوا الى تلك المدن البعيدة، في حين ان تجربتهما استفادت من تجربة مسرح الصورة ولكن خطوطها الابداعية تنتمي لهما، وهما نموذجان لمسرح ندعو اليه دائماً، لا ان يتحول ذكرهما وغيرهما فرصة لجلب الادلة القاطعة على نزاهة (مسرح الصورة) مائة بالمائة.
يحاول السيد عبد الخالق كيطان في مقالته ان (ينسف) تاريخ المسرح العراقي، ويجعل من تاريخ (مسرح الصورة) التاريخ الحقيقي لمسرحنا، من قبيل ان (عروض الصورة) صاحبتها الكثير من الصرخات النقدية والتقولات واثارت جدلاً عارماً في الوسط الثقافي العراقي، وانا لن افعل شيئاً، فقط سأحيلك الى مسرحية (النهضة) لمؤلفها ومخرجها الرائع (عباس الحربي)، وعليك ان تكون محايداً امام هذه المسرحية (الشعبية) التي أثارت في الوسط الثقافي والشعبي ما اثارت، وكتبت عنها اكثر من خمسين دراسة ومقالة، ووصلت شهرتها الى محافظات الجنوب وبات الحديث عنها في كل مكان، هي مسرحية شعبية بسيطة، استطاعت ان تشتغل في منظومة جمالية مؤثرة في فعلها، وخاطبت الجميع بلغة رائعة، هذه حقيقة، وبالمقابل من يتحدث عن عروض مسرح الصورة؟ من؟ (انا وانت فقط) لا احد غيرنا، وعباس الحربي هو واحد من الذين تاثروا بمسرح المبدع الكبير عزيز خيون، عزيز، الذي لم ينصفه المسرح العراقي إطلاقاً، بل كان يعيش في غربة لا حدود لها، وكان يمكن لمسرحه ان يكون اكثر تأثيراً من مسرح الصورة لولا ان الدولة كانت تعي جيداً ماذا يعني هذا النوع من الخطابات، لذلك ارتضى هذا المبدع لعروضه وعروض سيدة الالتزام المسرحي عواطف نعيم أمكنة اخرى من خارج الوطن بعيداً عن خناجر الدولة والنقد العراقي.
هل يمكن للمسرح العراقي ان يعود الى عمقه واسمائه ومخلصيه ومتلقيه؟ وهل يعود نقاد مسرحنا الى وضعهم الطبيعي ويشخصوا الخلل الحقيقي، وتبدأ انطلاقة جديدة بعيداً عن ما تخفيه القلوب من أمراض واحقاد وسواها، ويستفيدوا من دروس المرحلة السابقة، ويجندوا اقلامهم لمسرح الشعب لا مسرح السلطة وزبيبه والملك، ام أسمعت لو ناديت حياً؟

*****************

جريدة المدى العراقية بتاريخ 19 تموز/2005

*************

مسرح