تهريج الشاشة!
كان المسرح الإستهلاكي، أو التجاري بلغة أخرى، متنفساً للعوائل المحاصرة بالدخان والمقابر الجماعية والتهديدات الخارجية والداخلية، وبالرغم من ذلك فلقد كنا نحاول جهدنا تنبيه العاملين فيه إلى مخاطره، وندعوهم ما أمكننا إلى محاولة نمذجة هذا المسرح الترفيهي. كتبنا عن الممثل فيه، موضوعاته، مسرح الفارس والكباريه السياسي. ولقد شاركنا في هذا التوجه التقويمي نقاد كثيرون، صحفيون ومثقفون من مختلف المشارب... ومع ذلك كله كانت دعواتنا كثيراً ما تذهب أدراج الرياح.. لم يستطع هذا المسرح أن يخلق نموذجاً متطوراً لمسرح ترفيهي ترتاده العائلة العراقية بأمان وثقة. كانت الألفاظ النابية، على سبيل المثال لا الحصر، أبرز ملامح المسرح الاستهلاكي، تلك الملامح التي دفعت العائلة العراقية الملتزمة إلى مقاطعة مسارح العاصمة التي دأبت على تقديم مسرحيات تحت يافطة مكرورة هي: المسرحية الجماهيرية الكوميدية، وربما: الاستعراضية الساخرة، وفي أحيان الشعبية الانتقاددية ألخ، ولقد ظلت هذه اليافطة مجرد شعار لا أكثر، فيما حقيقة المحتوى غير ذلك بالمرة.
لقد استطاع المسرح الاستهلاكي أن يقدم نجومه، من مؤلفين وممثلين ومخرجين وفنيين... كما قدم جمهوره أيضاً، وهو جمهور لا يمت بصلة للعائلة العراقية كما نزعم، ولنا في ذلك أبحاث ومسوحات عينية، بل كان خليطاً من طبقة ظهرت كنتاج مباشر لسياسات معينة، طبقة تكسب في النهار بالعملة الصعبة وفي المساء ترتاد مسارح الكباريه للترفيه ثم تنتقل للسهر في الشقق الخاصة، بالإضافة غلى بعض المتعبين والمنهكين والباحثين عن بسمة ولو كانت ممهورة بالإساءة في زمن الجدب والأحزان.
نجوم المسرح الاستهلاكي كانوا فئات مختلفة بدورهم، منهم أصحاب مواهب لم يجدوا أمام مواهبهم غير هذا النوع المسرحي، لسهولته أو لأنه المتوفر الوحيد، وآخرون كانوا يبحثون عن لقمة خبز في زمن الجوع. مخرجون كبار طالما نبهنا إلى أن مواهبهم في محل اختبار وهم يقدمون على إخراج مسرحيات هابطة بكل معنى الكلمة. شبان جاءوا إلى خشبات مسارح العاصمة من العدم العراقي فصاروا يتقاضون الملايين العراقية فيما زملاء مهنة كبار يتضورون جوعاً بفعل الإقصاء والتهميش.. مشهد موجة المسرحيات الاستهلاكية كان يمثل في وجه من وجوهه مشهد دراما الواقع العراقي المأساوي زمن الحروب والحصارات..
وبعد التاسع من نيسان 2003 تغير كل شيء. لقد حتم الظرف الأمني الذي مر ويمر به العراق انطلاقاً من هذا التاريخ أن تقفل المسارح على أنواعها أبوابها، وأكثر المسارح التي تضررت كانت المسارح الاستهلاكية.. المسارح الجادة لم يكن الأمر يعنيها كثيراً، فهي مسارح دربت نفسها طويلاً على اختيار جمهور معين وتقديم مسرحياتها له في ظروف شديدة الحلكة، ولن تكون ظروف العراق الجديدة بأصعب من الظروف السابقة. هكذا قرر المسرحيون الجادون مواصلة العمل نهاراً هذه المرة عبر سلسلة من العروض والمهرجانات التي احتضنتها القاعات العراقية في ظهيرات مسرحية كتبت عنها الصحف مرات بإشادة بالغة، ولقد تسنت لبعض هذه العروض الجادة أن تقطف ثمار صبرها عبر مشاركتها في مهرجانات عربية وأجنبية.. وحدهم نجوم المسرح الاستهلاكي ظلوا يتفرجون بلا عمل، ولقد ظن كثيرون بإن موجتهم الموصوفة بالابتذال قد طويت وإلى الأبد، ولكنهم كانوا يترقبون تحيناً للفرصة، ولقد جاءتهم الفرصة ذهبية أكثر من سابقتها، كانت فرصتهم الجديدة تتمثل باحتلال شاشات التلفزيون!!!
ومن بديهات العمل التلفزيوني التأكيد على اجتماعية هذا الأخير، بمعنى أن ليس كل شيء يصلح للعرض من على شاشات التلفزيون على اعتبار أن جمهور التلفزيون يمثل خليط المجتمع من جهة ومن جهة ثانية فإن ما يعرضه التلفزيون يمثل وجبة إجبارية لجمهور المشاهدين، فهذا الجمهور فهو لا يملك الخيار فيما يقدم له عبر الشاشة الصغيرة، على العكس من حالة المسرح التي تمنح المتلقي فيها خياراته الخاصة بين أن يختار هذا العرض أو ذاك ويقاطع هذه المسرحية أو تلك.. دخل نجوم المسرح الاستهلاكي بقوة إلى التلفزيون متجاوزين شرطه المجتمعي فكان أثرهم بالغ السوء والقبح حقاً.
في الدول المتقدمة تلزم التلفزيونات نفسها بوضع علامات أو إشارات معينة عن برامجها احتراماً لجمهورها وكسباً لثقته، كأن تشير للبرنامج الفلاني بحرف معين دلالته أن هذا البرنامج لا يصلح لمشاهدة من هم دون سن الثمانية عشر عاماً.. برامج أخرى تضع في مقدمتها حرفاً يشير إلى أن البرنامج يحتوي ألفاظاً نابية، أو مشاهد عنف أو إنه لا يصلح للأطفال أو يتطلب وجود شخص كبير معهم ...ألخ... كل ذلك بسبب من جماعية التلقي التلفزيوني، والحذر من أن يشاهد برنامج معين من هم غير مؤهلين لمشاهدته..
حتى الأغاني، ثمة قوانين معينة تسمح بعرض أغنيات دون غيرها في أوقات دون غيرها.. وذلك حرصاً على أن لا تخدش أغية معينة حياء فئة بشرية معينة!!!وبالطبع فنحن لا نطالب تلفزيوناتنا المحلية والفضائية بأن تشكل هذا النوع من العلاقة الحساسة والحضارية مع جمهورها، لأن ذلك حلم بعيد المنال حقاً، ولكننا نطالبها بأن تكف اذاها فقط عن الناس، وما نجوم المسرح الاستهلاكي وموضوعاتهم وحركاتهم وألفاظهم إلا أبلغ إساءة من الممكن عرضها على شاشة التلفزيون!.
ومن المؤكد هنا أن إدارات التلفزيونات العراقية العديدة سوف تشهر أمامنا حجةً قديمةً، تذكرنا بحقبة صدام، تقول بأن ما يقدم إنما يقدم من أجل تسلية العائلة العراقية المحاصرة بموجات الإرهاب الوافد والمقيم، وهي حجة غبية للغاية، بل يراد منها تعميم نموذج الرداءة على حساب نموذج الخير والجمال الذي يفترض بالعهد الجديد أن يكون ممثله والمبشر به بعد عقود الخراب والدمار التي بشرت بها الديكتاتورية ورجت لها.
يظهر الممثلون الاستهلاكيون من على شاشة التلفزيون بقفشاتهم المسرحية ذاتها، بل إن أداءهم التلفزيوني لا يختلف بشيء عن أداءهم المسرحي فهم على الأغلب لا يعرفون كيف يتعاملون مع عدسة الكاميرا، تحضر نكاتهم الفجة وتعبيراتهم النابية وإشاراتهم غير البريئة.. تحضر موضوعاتهم التي يعتقدون إنها موضوعات جريئة فيما هي موضوعات تقع في إطناب وتكرار ممل للغاية!!! كما تحضر طريقتهم البليدة بالغناء... تحضر نساؤهم أيضاً وأزياؤهم التي يرتدونها بطريقة تتقصد الإساءة إلى فئة عراقية معينة... هذه الإساءة ستجد أنها ديدن هؤلاء الممثلين بتقليدهم للهجة أبن الجنوب حصراً، تقليداً يظهر أبن الجنوب غبياً وساذجاً ومضحوكاً عليه على الدوام.. وهي فقرة كانت ثابتة في مسرحياتهم طيلة السنوات الماضية ولم تؤثر في أي منهم توسلاتنا، الشخصية المباشرة والكتابية عبر الصحف، بالكف عن الإساءة إلى أبن الجنوب، وهم، الممثلون، ويا للسخرية، أبناؤه بالولادة أو بالتربية!!!... فهل قدر أبن الجنوب العراقي أن يكون موضوعاً للسخرية في زمن كان يتقصد ذلك، هو زمن الديكتاتورية، وفي زمن التحرر منها؟؟؟
كان على إدارات التلفزيونات العراقية أن تفكر ألف مرة قبل الإقدام على خطوة استقدام نجوم المسرح الاستهلاكي للتلفزيون، بل أنها لم تكتف بعدم التفكير بخطوتها المجنونة تلك فعملت على استسهالها، وصارت مودة التلفزيونات العراقية (أشاهد فضائية العراقية والشرقية باستمرار لأنهما القناتان العراقيتان الوحيدتان المتوفرتان لي، فمن الواضح، إذن، إنني أتحدث عن برامجهما تحديداً) أن تجلب مجموعة معينة من الممثلين كانت تعمل في مسرح معين، فهي منسجمة فيما بينها ومعتادة على شتم بعضها البعض علانية، لتقدم الفواصل الهزلية الاستهلاكية ذاتها مسقطة عليها بعض مشاكل الوضع الحالي، وهي كثيرة على أية حال!.. وتطورت هذه الموضة لتشمل اليوم برامج، يسمونها منوعة وهادفة وخفيفة، يقدمها واحد أو أكثر من نجوم هذا المسرح، وبالطبع فإن هذا النجم لا يألو جهده من أجل إضحاك الناس، ولو بإهانتهم وجلدهم بابتذاله!!! هل تتذكرون يافطة المسرحيات الاستهلاكية التي قلنا بها قبل سطور؟؟؟
في برنامج من هذه البرامج الكثيرة، قرأت في التايتل أن مقدمه الفنان الكوميدي(...) هو معد البرنامج أيضاً.. وفي مرة أخرى كان الممثلون يتبارون في السخرية من بعضهم البعض بطريقة لا أدري إلى أين توصلهم؟؟
لماذا لم تسع إدارات التلفزيونات العراقية إلى صياغة مفهوم متطور للكوميديا الهادفة غير ذلك النموذج الذي عمم علينا في السابق وكانت رائحته العفنة تزكم الأنوف؟؟؟
لماذا يصر هؤلاء الممثلون على تهريجهم الذي يسيء إليهم قبل إساءته إلى أي شخص آخر؟
لماذا يصرون على الإساءة إلى ابن الجنوب، وهم كلهم من أبناءه؟
وماذا سيفعلون فيما لو عادت مسارحهم إياها إلى الإشتغال؟ هل سيقاطعون التلفزيون ثانية بسبب أجوره التي لا تقارن بأجور الكباريهات المسرحية؟
أسئلة بالغة القسوة مثل هذه ستمر أيضاً مرور الكرام على هؤلاء، فهم في أحسن الأحوال لا يقرأون حتى وإن كان مديحاً لهم، ولكننا نتوجه في خطابنا هذه إلى المؤسسات العراقية المسؤولة عن الانتاج الفني والتلفزيوني لعلها تباشر بسن قوانين جديدة تضمن حق المشاهد العراقي في أن لا يتعرض للإهانة في بيته ووسط عائلته وأطفاله. على هذه الجهات أن تحمي المشاهد العراقي من غزو التخلف الذي يريد سحق ما تبقى من قيم جميلة لمجتمعنا. عليها أن تمنع تهريج الشاشة بعد أن كان قد استفحل تهريج الخشبة.
***
************