حقيقة القصيدة
منذ فترة طويلة شغلت بفكرة حقيقة القصيدة، ولقد بذلت الكثير من الوقت والجهد وما بينهما من تأمل في الوصول إلى ما يدلني على تلك الفكرة. وهذا الحديث لا يقع في باب البطر الثقافي كما قد يخيل إلى قارئي، ولكنه حقاً بحث من اجل الفهم وبالتالي إعادة قراءة تجربة شعرنا العراقي، وبالتحديد تلك التجربة التي عايشتها خلال أكثر من عشرين عاماً..
اللافت للنظر هنا هو أن أي حديث يفلسف الموضوع يبعدنا عن الفهم.. ولعل هذا ما كان يردده على مسمعنا شعراء من الأجيال التي سبقتنا، وهو حديث فهمت لاحقاً أنه يتقصد جملاً من ذاك النوع الغامض المتعالي انسجاماً مع موجة حداثوية كانت سائدة وترى في الغموض أقصى يسار الشعر!!
اليوم وبعد تلك السنوات الطويلة تجد المقهى التي كانت الحاضنة الأساس لمثل تلك الحوارات وقد سكنها مجموعة من الشيوخ العاطلين وبضعة متقاعدين يدخنون الأراجيل.. أما الشعراء وطموحاتهم وجملهم الغامضة فغادروا كل إلى صوب.. وأستطيع أن أغامر فأقول أن من هاجر منهم سحرته أفكار أخرى حياتية أكثر جمالية من جمل الغموض التنظيري تلك فيما الذين فظلوا البقاء كانوا شهوداً على أنواع من قسوة الواقع ما لا يصمد بأزاءها قول من تلك الأقوال القديمة.
فكرة حقيقة القصيدة، في تقديري، تنطلق من الشاعر ذاته الذي يعيش بيننا صديقاً وانساناً وبالتالي مبدعاً.. إنها الفكرة التي تكون حياة الشاعر الشخصية مركزها، هكذا يصبح غنى التجربة الحياتية عاملاً مهماً في غنى التجربة الشعرية والعكس صحيح..
قد تلتفت يميناً وترى من حولك بعض الشعراء، هم من الأصدقاء حتماً، ولكنك ستعجز وأنت تبحث في نصوصهم عن حياة تؤهلها لتكون مثيرة للقراءة والبقاء.. إنها نصوص وحسب.. تقرأها في كل يوم بل وفي كل ساعة.. ولكنك تنساها بسرعة بالغة وتنسى أصحابها وضجيجهم وحواراتهم الغامضة.
والشاعر لا يمكن أن يكون نتاجه كله مشرقاً ومتميزاً، وهو ما ينطبق على أعظم الشعراء في التاريخ، ولكنك تستطيع بيسر أن تشير إلى بضعة نصوص منه هي ما يمكن تسميتها بالنصوص الكبيرة أو المميزة.. نحن نتشبث بهذا الأمل: أن ننجز بضعة نصوص فقط تمثل حياتنا الآفلة وتقترب بالنتيجة من فكرة حقيقة القصيدة التي نبحث عنها.
*******