عناق محبين
عندما
عبرت الحدود الكويتية العراقية في
ذلك النهار الشتوي لم أستطع رؤية أخي عبد الله
جيداً فلقد تسمرت في مكاني لا أدري
لماذا، ثم كان أول عناق لي في بلادي بعد سنوات
طويلة من الفراق.. تبعته عناقات
عديدة أخرى: في البصرة، العمارة، النجف، كربلاء
وبغداد.. عناقات هي جل ما يطمح
إليه مهاجر كان يقضي نهاراته في تجنب الأقاويل
ولياليه بالسهر.
ما يميز العناق العراقي حميميته
التي بدت لكثير من الوجوه التي
مررت بها خارج العراق مجرد مبالغات
تشبه مبالغات الغناء العراقي المفرط بالحزن أو
مبالغات الموائد العراقية العامرة
بما لذّ وطاب حتى في أحلك الظروف التي مررنا
بها.
يبدو الكائن العراقي في يومياته
هذه أشبه بالكائن الأسطوري.. فاليوميات
الروتينية التي يقضيها كثيرون
تبعدهم مسافات عن فكرة عناق المحبين هذا، ولكن
اليوميات المأساوية بالنسبة لكائن
عراقي يعيش في بلاده لم تمنعه أبداً من الاحتفاظ
بالحميمية التي يتصف بها، وهو أمر
كان مثار انتباه.
وجودك في بلادك يشعرك
بكينونتك..
عناق المحبين فيها باقة ورد لن
تحصل عليها في أي بقعة كونية.
حصلت
على هذه الباقة في مدينة العمارة..
ثم في بغداد.
كل عناق جملة كاملة
تامة.
ولقد حصلت في العراق على جمل تامة
أكثر من أن أعدها أو أحصيها.
يبدو
فضاء الأمسية/ الأصبوحة بلغتنا
اليوم، فضاءاً مناسباً لجملة العناق.. المصورون
التلفزيونيون بدورهم كانوا أذكياء
بالتقاط هذه الجمل، بل وبثها كما فعلت قناة الحرة
في بغداد والبغدادية في العمارة.
فالعناق كما ذكرنا عادة عراقية، وليس أروع من
تعبيريتها للعرض التلفزيوني معبراً
عن حميمية لقاء بعد فراق طويل.
الوجوه التي
تتقافز أمامي الآن وجوه أعرفها
جيداً، فهي سندي دائماً.. كانت رفيق رحلتي في بلاد
ما خططت للوصول إليها.. كلما جاسني
ضيم أو قهر في هذه المدينة أو تلك استعدت وجوهي
الأليفة الحبيبة الأنيسة، فأستعيد
توازني..
ماذا يفعل من اختار أن يكون وحيداً
بلا وجوه طيبة تزوره ولو في لحظة
كتابة؟
وفي شارع السعدون، تقف القافلة
الأمريكية في وسط الشارع، لا يلتفت
المتعانقون إلى القافلة، فهم في شغل اللقاء
الأهم.. صورة لا يمكن إلا أن تكون
من نتاج مخيلة نشيطة.. الواقع العراقي لا يكف عن
انتاج مثل هذه الصور.. يا للبراعة!
كل شيء في هذه البلاد يقطر حميمية..
عناق
المحبين أبرزها.
***