المكتبة حين تتهدم

 

 هذه ليست المرة الأولى التي أكتب فيها عن مكتبة المهاجر.. ولكنها المرة الأولى التي أكتب فيها عن مكتبتي الشخصية.. تلك المكتبة التي تهدمت مرات كثيرة، وفي كل مرة أهدمها بيدي أشعر بأن شيئاً في داخلي يتهدم.. ليست هذه جملة رومانسية بأية حال، ولكنها بمثابة عزاء..

بعد غياب سنوات طويلة عن بيتنا في مدينة العمارة كان عليّ أن أجد حلاً لمئات الكتب التي جمعتها في تواريخ مختلفة قبل العام 1998.. بيتنا قديم لا يستوعب تلك الكتب، فكان القرار أن أتخلص (أتخلص، هل انتبهت؟) من حوالي ثلاثة أرباع المكتبة وأحتفظ بالقليل النادر والمهم، ربما للذكرى!!.. كان الموضوع الشائك يتعلق بالطريقة التي علي اتباعها للتخلص من كتبي، ولم أجد غير منح تلك الكتب لجهة ، أو جهات مختلفة .. لم يستغرق الأمر طويلاً، اخترت مجموعة من أصدقائي الخلص، ومكتبة أو مكتبتين عامتين.. بعد الانتهاء من ذلك حصلت على شكر كثير وحزن شخصي أكثر..

قبل خروجي من العراق كان علي أن أفعل الشيء ذاته.. وبعد خروجي من العاصمة الأردنية عمان جهة القارة الأسترالية وزعت كتبي بطريقة أخرى، ولكنها لم تخرج من دائرة الأصدقاء بالاضافة إلى حوالي أربعة كراتين شحنتها إلى مستقري الجديد..

اليوم، وفي عاصمة الجنوب الأسترالي حيث أقيم منذ سنوات بدأت تتوسع في صالة الاستقبال مكتبة لا بأس بها.. وبين حين وآخر يتبادر سؤال مفاده: إلى من سوف أترك هذه المكتبة؟ فنقلها يكلف ما لا طاقة لي به..

كثير من الأدباء الذين أعرف كانوا استعاضوا عن المكتبات الشخصية بحيل مبتكرة، من ذلك مثلاً أن تقوم بمنح الكتاب الذي بحوزتك حال فراغك من قراءته لشخص ثان.. حتى تلك الكتب المهداة لك، تخلص منها فور انتهاءك منها... آخرون فضلوا المكتبات الألكترونية، حيث يقومون بالاحتفاظ بعشرات، مئات الكتب على سطوح كومبيوتراتهم، وهنا تصبح عملية نقل الكتاب سهلة للغاية ولا تكلف شيئاً.. من يدمن عادة اقتناء الكتب سوف تكون معاناته خارج الوصف..

مكتبة المهاجر إشكال تاريخي لا يوجد له حل.. أعرف كثيرين تخلوا عن مكتباتهم الشخصية في بلاد الغربة لصالح أشخاص بعينهم أو مؤسسات ثقافية أو مكتبات عامة وكان هذا هو الحل الوحيد المتاح لهم.. ولكنه حل جيد إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن تلك الكتب ستجد لها قراء جدد ...

هذه المكتبة التي أواجهها كل يوم في صالة منزلي أتعبتني كثيراً.. نصفها جلبته معي من عمان كما أسلفت.. بعضها تحملت من أجله الكثير من المصاريف.. كتب أخرى جلبها لي أصدقاء وصلوا أستراليا بعدي.. مجموعة من الكتب حصلت عليها بطرق شخصية عن طريق البريد العادي مع الأردن والكويت ومصر والعديد من البلاد الأوربية.. وكل كتاب يحمل قصته... أما قصة آخر مجموعة جلبتها معي من العراق فكانت لا تخلو من عبث وأحلام أيضاً..

كنت أفكر على الدوام بالأكاديميين الذين حياتهم في المكتبات.. ماذا لو هاجروا؟ بالطبع في رأسي تدور بعض الأسماء التي تحملت مشقات ومشقات من أجل أن تنتقل مكتباتهم معهم أينما حلوا وارتحلوا.. كما يخطر على بالي مثقفون أعرف ولعهم بالكتاب.. هذا علي حسين مثلاً، كتبي قديم، حياته في الكتب.. ماذا لو قرر الانتقال من المكان الذي هو فيه الآن إلى مكان آخر؟ كم يلزمه لنقل مكتبته؟

مكتبة المثقف وطنه... والمثقف بلا مكتبة بلا وطن... فكيف تريدني أن أتخلى عن مكتبتي حال انتقالي من هذا المكان الذي أنا فيه؟ من المؤكد أنني سأباشر حال وصولي مكاني الجديد بتأسيس مكتبة جديدة... أما الكتب التي تركتها وراء ظهري فعلي أن أتعامل معها بالقسوة ذاتها التي أتعامل فيها مع الكثير من الأشياء الرائعة والجميلة التي كان عليّ أن أتركها ورائي، مضطراً طبعاً!.

***

الصفحة الرئيسة

مقالات في الشأن الثقافي