في رثاء الرشيد

  

حاولت جاهداً أن لا أمر على بناية مسرح الرشيد في الصالحية.. مرة ومرتين.. ولكن في الأخير كان لا بد أن تمر السيارة التي كان يقودها الفنان محمد هاشم وأقلتني والكاتب علي حسين في شارع السفارة الإيرانية القريب جداً من المسرح.. استدرات السيارة يساراً فحظينا برؤية بناية وزارة الثقافة والاعلام المهجورة.. فيما أزيلت أسواق نيسان التي تقع الآن على يسارنا من الوجود..

حسن.. لم نكن قريبين جداً من بناية المسرح..

شاهدت فقط هيكله الضخم من على جسر الجمهورية مرة ومرتين..

لا أريد أن يعذبني مشهد المسرح الذبيح..

دائرة السينما والمسرح، والتي كانت بنايتها لصق مسرح الرشيد انتقلت إلى بناية المسرح الوطني في الكرادة.. وعندما زرت الأصدقاء في مكانهم الجديد وجدت أن أغلب من التقيتهم كانوا يتحدثون بألم عن مسرح الرشيد ودائرة السينما والمسرح القديمة.. قال الدكتور شفيق المهدي الذي صار الآن مديراً عاماً للدائرة أنه سيبذل قصارى جهده وسيستغل علاقاته كلها من أجل إعمار المسرح والدائرة..لا أشك أبداً في نوايا المهدي.. ولكنني أتساءل عن جدية الدولة بتشييد الصروح الثقافية وإعمار ما تعرض للتخريب والنهب والتدمير منها في السنوات والعقود السابقة؟؟؟ لقد تأخر إعمار مسرح الرشيد سنوات طويلة دون أي سبب.. وهو الأمر الذي ينطبق على مرافق عراقية أخرى نتمنى أن لا تبقى مجرد هياكل مخيفة تذكر بمرحلة انتهت تماماً.

طيلة وجودي في العراق قرأت مرات عن شكاوى الفنانين العراقيين من إهمال هذه البناية والمسرح.. وقرأت في الصحافة أيضاً عن نيات حكومية بإعمارها.. أبرز ذلك اعلان صادر من أمانة بغداد بالمباشرة برفع الأنقاض عن البناية تمهيداً لإعادة إعمارها.

بناية دائرة السينما والمسرح شيدت في أوائل الثمانينيات، ولقد شهدت تلك الفترة تشييد عدد من أهم مسارح العاصمة، فبالإضافة إلى مسرح الرشيد شيد المسرح الوطني ومسرح المنصور.. وكم نحن بحاجة الآن إلى تشييد ما لا يقل عن خمسة مسارح كبيرة أخرى بالإضافة إلى تأهيل المسارح القديمة... يبدو أننا نحلم كثيراً!!!           

ولقد احتضنت دائرة السينما والمسرح المئات من الأعمال المسرحية.. كما تم تصوير عدد كبير من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية في بلاتوهاتها..  والبناية تضم إلى جانب قاعة المسرح العديد من القاعات، بعضها مخصصة للتمارين المسرحية والبعض الآخر للعرض السينمائي.. ناهيك عن غرف المونتاج والإدارة والإعلام والمخازن...

حدثني الفنان القدير مقداد عبد الرضا عن ساعة اضرام النار في البناية من قبل مجهولين، سراق على الأكثر، وكيف أنه دخل البناية محاولاً انقاذ ما يمكن انقاذه.. لا أعتقد أنه أنقذ سوى نسبة ضئيلة للغاية من تراث البلاد الذي كان محفوظاً في هذه الدائرة الحضارية.. آخرون حدثوني عن انتشار حاجيات الدائرة في سوق هرج وغيرها بعد ذلك بفترة وجيزة!

كانت لي الكثير من الذكريات الشخصية جداً في مسرح الرشيد، وتبرز أهمها حادثة حريق المسرح.. أينك يا ضياء أحمد عبد الرزاق لتستذكر معي تلك الساعات؟.. كنا مجموعة كبيرة من طلبة قسم المسرح في أكاديمية الفنون الجميلة نشارك في مسرحية للفنان عزيز خيون، وكان علينا أن نظهر في المشهد الختامي للمسرحية وبأيدينا مشاعل يتصاعد لهبها لينير الخشبة... لا أدري من منا كان قد احتدم مع جو المسرحية الانفعالي فسقط مشعله على أرضية  الخشبة لتلتهم ناره ذيل ستارتها القريب فما كان من أغلبنا، وكنا صغاراً من عديمي الخبرة، إلا أن ألقينا بمشاعلنا على الأرض لنهرع لنجدة صاحبنا، وهكذا جئنا نكحلها عميناها كما يقول المثل الشعبي!!!! نقل أغلبنا إلى المستشفيات.. الوزير الذي كان يحضر العرض أخرج من المسرح بخطة الطوارئ فلقد ظنوا أنه محاولة اغتيال، اما جمهور المسرحية، من عرب وعراقيين( عرضت المسرحية أثناء مهرجان عربي للمسرح) فلقد اندفعوا إلى الخشبة من أجل انقاذ ما يمكن انقاذه من بشر على الخشبة... يا لها من ذكرى؟؟؟

ومن المؤكد أن المئات من المسرحيين العراقيين يمتلكون ذكرياتتهم الشخصية في هذا المسرح..

واليوم، يبدو مسرحيوننا وهم يجدّون من أجل انتاج عروض مسرحية جديدة.. أحلامهم صارت صعبة بسبب العامل الأمني.. ولكنهم جميعاً يتوقون لبيتهم القديم في الصالحية.. ناهيك عن بناية منتدى المسرح المهجورة، وقصة المنتدى لوحدها قصة!!!... فكيف سنعيد إعمار بناية مسرح الرشيد ودائرة السينما والمسرح؟

متى؟

وأين؟

وفي أي قرون من التسامح؟؟؟

  *****

الصفحة الرئيسة

مقالات في الشأن الثقافي