في ضيافة ابو نؤاس
لم يكن في مخطط زيارتي لبغداد أن أمر على شارع أبي نؤاس، فلم أكن من رواده العتيدين على أية حال، كنت شغوفاً بأمكنة أهم في تقديري... على أن الفنان القدير مقداد عبد الرضا ذهب يميناً بسيارته، فتركنا وراءنا نصب جواد سليم، ثم ونحن نصل تسجيلات جاقمقجي باغتني بالسؤال:
ما رأيك لو تجولنا قليلاً في أبي نؤاس... وأردف: قد أعيد افتتاحه؟
لم أمانع فاستدارت السيارة شمالاً.. وعند مدخل الشارع كانت ثمة سيطرة مدنية.. رحبوا بالممثل المعروف وأشاروا لنا بالمرور...
ما يلفت النظر هو تناقض المشهد... فلقد كان يسار الشارع يضج بالمحلات، فيما يمينه، ونقصد جهة الماء، الجهة الممنوعة باستمرار.. لقد صار العكس هنا.. حيث احتضنت ضفة النهر مجاميع من العوائل وهم يلهون بأوقاتهم الآمنة.. فيما كانت جهة المحلات مقفلة بالكامل.. كنا عائدان من جولة حميمة في شارع المتنبي الذي كان تعرض لتفجير إرهابي بشع قبل شهور... التقطت بضعة صور بتشجيع من صاحبي حيث استوقفنا قبلها مجموعة عساكر وطلبوا منا بلطف أن لا نصور.. كسرنا أوامرهم.. ووصلنا المقهى البغدادي.. يحضر هنا حتماً صراع الطاولة التقليدي بين المخرجين المسرحيين الراحل عودني كرومي والمقيم في فنلندا ناجي عبد الأمير... وكذلك شلة الدومينو التي كان يقودها الناقد مالك المطلبي ويرافقه فيها القاص الراحل موسى كريدي.. استدرنا محاذاة فندق الشيراتون حيث أصبحت المقهى البغدادي في ظهرنا.. كانت نهارية جميلة خاصة وإننا استمتعنا بمنظر العوائل على النهر الخالد..
قبل هذه الزيارة قرأت مرات عن معاناة شارع أبو نؤاس.. وقرأت أيضاً أنهم باشروا بإعماره.. ولكن المهم بين هذا وذاك أن يسمحوا للناس بالتجوال في الشارع الذي يقابل المنطقة الخضراء.. المنطقة الرئاسية بالكامل.. شيء مشجع.. مقداد عبد الرضا قال أن الحياة تعود تدريجياً للشارع.. إنه معلم بغدادي مهم وعندما تعود الحياة إليه فهو يحمل معنى كبيراً..
بعد أيام كنت في شقة على أبي نؤاس رفقة بعض الأصدقاء عندما وقف مضيفنا الإعلامي عماد الخفاجي ليدعونا للتمشي على ضفاف أبي نؤاس... تساءلنا: أفي هذه الساعة يا رجل؟ كان الخفاجي قد عزم أمره، الساعة تقترب من الثانية صباحاً.. وقف الشاعر أحمد الشيخ علي مستعداًً.. تبعه الفنان احسان الخالدي فلم أجد نفسي إلا وقد أصبحنا في شارع أبي نؤاس الرئيسي بالقرب من فندق الشيراتون.. التفت الجميع جهة الفنان جبار جودي العبودي فلقد تأخر بعدنا.. سلّم عماد الخفاجي على أحد حراس الفندق الذي رافقنا في رحلتنا الليلية هذه..قال الحارس اللطيف أنه شهد خلال الأيام الفائتة مئات العوائل وهم يجيئون للشارع من أجل نزهة واستمتاع وقضاء بعض الوقت.. لم يبخل علينا بسرد ما شاهده من قصص العشاق في الأيام القليلة الفائتة.. فتحت فمي مستغرباً من قدرة الناس على التعايش.. الحب من جهة وقوافل المفخخات النذلة من جهة ثانية!! وبعد بضعة تعليمات مهمة أرشدنا بها الحارس كنا نتمشى على طول الشارع بمحاذاة النهر جيئة وذهاباً.. كانت السمكة المشوية التي أجهزنا عليها قبل قليل قد ذابت مع هذه الجولة الربيعية البديعة.. وبدا عماد الخفاجي أكثرنا استمتاعاً.. حدثني أحمد الشيخ علي عن اشتغلاته الجديدة ونحن نقفل عائدين بعد حوالي أربعين دقيقة.. نمت بعدها بعمق وأنا استشعر النسمات الرقيقة التي غمرني بها دجلة.. والشارع.. وبغداد.
تعود بي الذاكرة إلى الأيام الأولى لوصولي إلى بغداد من أجل الدراسة.. كان الشارع في تلك الأيام ملتقى لجنود فارين من هوس الحرب.. وبضعة تكنوقراط يلجأون إليه هرباًَ من ساعات الدوام الخانقة التي كانت محفوفة بمخاطر حزب السلطة وتتبعها الدائم للموظفين لسبب أو بدون سبب.. وبين هؤلاء وأولئك كان سهلاً تبيان مجاميع من طلبة الكليات البغدادية بأزياءهم المعلومة أو أجسادهم النحيفة.. هذه الأيام كانت أواخر حرب الثماني سنوات.. وشارع أبو نؤاس بدأ يفقد بريقه ورواده أيضاً.. كنت ومجموعة من الأصدقاء نتشمم روائح السمك التي تنبعث من المواقد المجاورة ولا نملك إلا الفرجة.. فيما تصف بين الحين والآخر سيارات حديثة، أو سيارات شرطة لتلتقط صينية مغطاة بالأي فويل من أحد مطاعم سمك المسقوف تلك.. على أن ليلة حريق فندق السالمية كانت أبرز ما علق في ذاكرتي من أيام شارع أبو نؤاس.. ليلة رهيبة كانت أمضيتها رفقة عدد كبير من الأصدقاء في باحة هذا الفندق، كنا نحتفل بعيد رأس السنة الميلادية.. خرجنا فجراً من الفندق لنسمع في عصر اليوم نبأ احتراق الفندق بالكامل بسبب ضابط صغير وصل فجراً وهو مخمور فدثره حارسه ووضع مدفأة كهربائية بالقرب منه فكان أن التهمت المدفأة أغطية الضابط المسكين وأحالته، والفندق، جثة هامدة!! نجونا بأعجوبة.. في تلك الأيام كانت ثمة العديد من مقاهي الشارع التي احتضنت جدالاتنا الساخنة حول الشعر والمسرح.. وأعجب الآن من صبر المثقفيين البغداديين على عدم وجود المقاهي في شارع أبو نؤاس.. لقد كانت المقاهي هذه لنا والمطاعم لغيرنا.. ومع انتهاء الشارع فعلياً في أوائل التسعينيات العجاف تحولت الكثير من أمكنته إلى مقاهي للعبة البليارد.. وقصة البليارد وانتشاره في بغداد تلك الأيام قصة لحالها..
شارع أبو نؤاس يستعيد حياته.. كان هذا مانشيتاً قرأته في أكثر من صحيفة.. وهو مانشيت يستحق التأمل فعلاً.
***