نهار الوزيرية وليل الكرادة
كنت أتشوق للذهاب إلى الوزيرية حيث تشكلت بدايات شخصيتي طالباً في أكاديمية الفنون الجميلة، وما حول الأكاديمية من أمكنة مختلفة... ذهبت إلى الوزيرية بفرح وقلب تتسارع نبضاته كلما اقتربنا من بناية الأكاديمة، نزل علي حسين من سيارة التاكسي وهو يحث خطاه كما كان يفعل قبل أكثر من عشرة أعوام.. تخيلت أنني سأصادف من تعودت على مصادفتهم هنا، ولكن........... الكثير ممن سألت عنهم كانوا قد غابوا خارج العراق أو اختاروا أمكنة أخرى بسبب العمل وما شابه.. فقررت زيارة أساتذتي فقيل لي أن قسم الفنون المسرحية قد انتقل بالكامل الى بناية معهد الفنون الجميلة القديم في الكسرة وكان عليّ أن أزور عميد الكلية الدكتور عقيل مهدي يوسف ولكني لم أجده في مكتبه.. صادفت في باحات الأكاديمية بعض الوجوه القديمة الحبيبة واقترح أحمد هاتف أن ننتقل إلى قاعة حوار.. وأن تكون في قاعة حوار معناه أن تجد فاضل محسن بانتظارك، وهو ما حصل فعلاً.. أخذني فاضل من بين الجميع مصراً على جولة في الوزيرية.. لم يعد من أثر لمقهى الجالية السودانية، ولا المركز الثقافي البريطاني ولم يعد أحد من معارفي يرتاد ما كنت أسميه مقهى حكمت الحاج.. لا قاسم محمد عباس ولا ضياء أحمد عبد الرزاق.. مسرح الطليعة بقي مجرد هيكل غابت عنه صور ناجي كاشي وفيصل جابر عوض وحيدر منعثر.. جدران اسمنتية هنا وهناك لزوم حماية الناس من المفخخات السافلة.. في يوم آخر اصطحبني فاضل محسن إلى بناية قسم الفنون المسرحية.. سعدت كثيراً وأنا أرتمي بين أحضان معلمي صلاح القصب بعد هذه السنوات، قال كثيرون أنه كان يصر على المشي يومياً من شقته في شارع حيفا إلى القسم من أجل إعطاء محاضرة بالرغم من ظروف شارع حيفا الأمنية في العام 2006.. زرت أستاذ الأجيال سامي عبد الحميد ووجدت عنده مجموعة من الأصدقاء: رياض شهيد وجبار خماط ورياض موسى سكران.. ولكني للأسف الشديد افتقدت الدكتور عبد المرسل الزيدي والدكتور فاضل خليل والدكتور مالك المطلبي فلقد كانت جداول محاضراتهم مختلفة عن موعدي..
وبعد الظهر كنا نسارع الخطى للوصول إلى الكرادة.. فهذا وقتها بعد الفراغ من الوزيرية.. في رخيته قرر الأصدقاء أن يتخذوا مقهى صغيرة مكاناً للتجمع: كان ثمة كاظم النصار وفلاح ابراهيم وابراهيم حنون ومحمد هاشم وأحمد حسن موسى ومهند مختار ونصير غدير ومنتظر الساري وبالطبع فاضل وعلي حسين ومنعثر.. التحق بنا فيما بعد قاسم محمد عباس وعرفت من الجميع أن الكرادة شأنها شأن الوزيرية راسخة في تقاليدها اليومية.. جولتي المسائية في الكرادة أثبتت لي ذلك.. حدث أثناء هذه الساعات تفجير سيارة مفخخة، لم يعر الجميع له أهتماماً.. هرعت سيارات الاسعاف وكانت سيارات الشرطة تمر بالقرب منا .. أغلقوا المنطقة لبرهة ثم عاد كل شيء إلى وضعه الطبيعي..
سنوات طويلة كانت الأيام فيها مقسومة بعدل، نصفها النهاري للوزيرية ونصفها الليلي للكرادة.. لم يتغير شيء.. الأصدقاء كما هم في حميمية نادرة.. المسرح الوطني الذي يعشقه المسرحيون العراقيون بوجد لا نظير له يقف في مكانه مرحباً بأصدقاءه الكثر، وجدت عماد صفوك بانتظاري، لم يكن صفوك مجرد حارس أو بواب لهذا الصرح الوطني، بل كان يحفظ وجوه وأسماء زواره وفي رأسه الكثير الكثير من الذكريات الحميمة، حكى لي عن بعضها ساعة سقوط الصنم وهجمة الفرهود.. تجولت في باحات المسرح الذي أصبح اليوم مقر المؤسسة العامة للسينما والمسرح بعد أن ترك المبنى القديم في الصالحية بلا عناية أو إعمار..
البناية المجاورة للمسرح، وكانت مقراً لقيادة القوة الجوية، صارت مقراً للعشرات من العوائل التي احتلت المكان بعد التاسع من نيسان، فيما ظلت شهرازاد محمد غني حكمت تملأ جرارها بالماء..
وطيلة فترة بقائي في بغداد كنت حريصاً على أن أكون في الوزيرية حيناً وفي الكرادة حيناً آخر.. وما بينهما ثمة شارع السعدون حيث مقر جريدة المدى...
أول وصولي إلى بغداد هاتفت علي حسين ووصف لي مكان تواجده ومجموعة من الأصدقاء.. لم يكن صعباً عليّ الوصول إلى هذا المكان بالرغم من بعض التغيرات التي طرأت على المكان.. لقد كانت بناية قريبة من بناية جريدة المدى عرفت من علي أنهم بصدد اجراء تمرينات مسرحية ضمن فرقة تابعة للمدى.. وبعد انتهاء اللقاء الذي جمع مجموعة من الفنانين العراقيين ذهبنا إلى المدى الجريدة.. أول ما لفت انتباهي تصميم المبنى من الداخل، فهو تصميم عصري مفتوح ذكرني بالصحف الأردنية.. ووجدت علاء المفرجي منهمكاً بين أوراقه فلم يصدق عندما رآني.. المدى لمت عندها الكثير من الأصدقاء، وهو شيء مفرح سأجد مثله في جريدة الصباح.. من شعراء وقصاصين وصحفيين وكتاب أعمدة.. كانت فرصة كررتها مراراً طيلة وجودي في بغداد، ولم أفوت الفرصة في تناول بعض المشويات من بائع اتخذ لنفسه زاوية على مقربة من الجريدة حيث وضع منقلة الفحم وعلق فخذاً من لحم الخروف وصندوقاً صغيراً فيه الكثير من الصمون العراقي.. همس خليل الأسدي يذكرني عن أيام عملنا في جريدة القادسية في التسعينيات، عندما كنا ننزل من السيارة في الباب الشرقي فنتشمم روائح شواء اللحم ونتحسر فلم نكن نملك حينها غير ثمن الدخان!!! فضحكنا بسخرية..
لا أدري بالتحديد كيف وصلت إلى قناعة بنهارية الوزيرية وليال الكرادة، ولكن هذا ما كان يحدث معي على الدوم.. افتقدت حكيم جاسم وعبد الخالق المختار، كنا نشكل رفقة حميمة عندما ننطلق من الوزيرية بسيارة المختار، فنعبر إلى السينما والمسرح في الصالحية وعصراً ننتقل إلى الكرادة حيث المسرح الوطني ومكتب المنتج الفني سيد مهدي محمد رضا..
في الوزيرية مرت أجيال وأجيال من المبدعين العراقيين والعرب، وكذا الدارسين في اختصاصات مختلفة حيث توجد الكثير من الكليات بالإضافة طبعاً إلى جامعة بغداد العريقة.. وفي الوزيرية أيضاً ثمة مقار لعدد كبير من النقابات والروابط الثقافية العراقية المهمة وليس ببعيد مقر جريدة الجمهورية، وجريدة صوت الطلبة ومجلة المرأة، قبل سقوط الصنم، ولهذا فالوزيرية تزدحم بالرواد النهاريين على الدوام الذين سرعان ما تخفت حركتهم مع تقادم ساعات النهار إلا من بعض طلبة المحافظات الذين يسكنون في مواقع مختلفة في الوزيرية والكرنتينة والباب المعظم والكسرة وشارع المغرب..
الكرادة لا دخل لها بالنهار، فهي مدينة الليل العراقي الآسر.. لا يبعد دجلة كثيراً عن الكرادة، ومع ساعات العصر الأولى تبدأ حركة الناس في الكرادة داخل وخارج بالتزايد.. المحال التجارية المختلفة تتجاور بمنظر بهي، جوامع وكنائس وحسينيات.. مسارح ومقاهي ومطاعم مختلفة.. والناس في كرنفال ليلي..لا غنى عن ليال الكرادة لبغدادي أو لقادم من محافظات العراق أو من دول أخرى..
****