تحت نصب الحرية

 

في أول وصولي إلى بغداد قادماً من مدينة العمارة قبل أكثر من عشرين عاماً ذهبت على الفور لأتصور تحت نصب الحرية.... وبعد سنوات من هذا كنت وصديقي الشاعر العراقي فرج الحطاب نقف تحت النصب ذاته ونتصور.. ثم وبعد سنوات مضافة أعود من المنأى الأسترالي لأقف تحت نصب الحرية من جديد، وهذه المرة مع علي حسين ومقداد عبد الرضا وعلاء المفرجي..( تبادل مقداد وعلاء الكاميرات في اللقطتين فكانت حصة الواحد منهما لقطة واحدة وحصتي وعلي حسين اللقطتين!!!).

 

شاهق هو نصب الحرية...

ونحن أبناء جيل لم يكن معنياً بالأجواء التي ولد فيها النصب.. كان نصبنا وفقط.. النصب الذي يمنحنا الأمل والفخر ايضاً..  لا يمكن لي عد المرات التي مررت فيها من تحت النصب.. وبصدق كامل أقول أنني في كل مرة كنت أرفع فيها رأسي لأطل عليه وعلى جماله.. وأيضاً احتراماً له ولصاحبه..

المدن تفتخر برموزها الحضارية والجمالية، ومن حق بغداد وأهلها أن تفخر بنصب الحرية.. صحيح أن في بغداد العديد من ما يستحق الفخر، ولكن يبقى لنصب الحرية خصوصية جاءته من جهات مختلفة، فموقعه الستراتيجي في قلب بغداد من جهة، ورموزه الثورية التي توائم طبيعة المجتمع العراقي من جهة ثانية.. كذلك خصوصية الفنان الراحل جواد سليم نفسه..

أثناء دراستي للغة الانجليزية في أستراليا طلب منا المدرس أن نقدم بحوثاً عن ما نراه مناسباً للبحث، ولم أدخر وسعاً حيث اخترت وبدون تفكير النصب لدراسته.. وأثناء تلك الدراسة تعرفت على الدراما الحقيقية للنصب.. الدراما التي نراها وتلك التي رافقت صياغاته وصولاً إلى ساعة انجازه ووضعه في مكانه.. أردت من ذلك القول بأن نصب جواد سليم قريب جداً من مخيلة العراقي، ولهذا كان سهلاً علي اختيار موضوعة البحث... وبغداد تحتاج إلى نصب مماثلة.. وكنت قد أشرت في وقت سابق إلى النصب الذي يتحدث عنه الفنان الرائد محمود صبري، وضرورة التفكير جدياً بإيجاد المكان الجديد المناسب له، وهو نصب لا يقل ضخامة عن نصب جواد سليم هذا..

وبالرغم من رمزية سقوط صنم الديكتاتورية في ساحة الفردوس، أو الحرية، بالقرب من فندق الشيراتون، واعتبار الساحة اليوم بمثابة (هايد بارك عراقي)، فإن ذلك كله لم يكن ليسحب من نصب جواد سليم ارتباطه بمعنى الحرية والاحتجاج.. وهو اليوم يشهق بقوة مثلما كان أبداً..

كان واضحاً في الشهور القليلة الماضية الجهد الهندسي والجمالي والخدمي الذي قدمته أمانة بغداد للعناية بالنصب وما حوله، ولقد ظهرت في الصور التي التقطناها مؤخراً أعمال الترميم أسفل النصب.. فيما تحولت حديقة الأمة التي تقع بين نصب جواد سليم وجدارية فائق حسن إلى حديقة نموذجية حقاً.. مما يزيد من جمالية المكان..

نصب الحرية هذا كان صديق الشعراء والفنانين والموسيقيين، كان الراحل الكبير جبرا إبراهيم جبرا قد كتب عنه العديد من الدراسات التي لا تنسى.. فيما وضع الشاعر عدنان الصائغ عنواناً لواحدة من مجاميعه الشعرية يذكر بمركزية النصب: انتظريني تحت نصب الحرية... وقام صديق آخر بتقديم برنامج تلفزيوني حمل عنوان: تحت نصب الحرية.. وورد النصب في قصائد ما لا يحصى من الشعراء العراقيين، وكاتب هذه السطور أحدهم.. رمزية النصب لم تتوقف عند مناسبة إنشاءه، وهذا في تقديري أهم سر من اسرار نجاح هذا العمل الفني الخالد الذي ستبقى رمزيته تلك تشد العراقيين شداً إليه.

***

 الصفحة الرئيسة

مقالات في الشأن الثقافي