بغداد التي تصنع الجمال
كتب ناقد عراقي معروف في جريدة عربية لندنية مقالاً عن الحياة الثقافية في بغداد خلال العام الحالي... ولقد قرأت مقالة صاحبنا وكنت حينها أعيش في مدينة سيدني الأسترالية... لقد كانت مقالته متشائمة جداً.. ذهبت من فوري للقاء بعض الأصدقاء من المبدعين العراقيين الذين أجبرتهم سنوات الديكتاتورية على اللجوء إلى المنافي البعيدة.. ولقد ظلوا على الدوام قريبين من بلادهم وثقافتها,, وكانت مقالة صاحبنا حديث جلستنا لأسباب كثيرة,, لعل أهمها أن كاتب المقال كان يشغل مناصب عديدة في المؤسسة الثقافية القعمية السابقة ولعل في حديثه الجديد تفسيرات لظواهر ثقافية عراقية متأصلة..
عدت إلى بغداد.. وكان لزاماً عليّ أن أمر على المظاهر الثقافية البغدادية التي أنكرها المقال.. وكم كنت سعيداً عندما وجدت تشخيصي ومحموعة الأصدقاء قي سدني لكاتب المقال صحيحة تماماً..
لقد وجدت بغداد، كما هي، وفي أحلك أيامها وأكثرها قتامة قادرة على صنع الجمال.. ولن أسهب في تعداد المظاهر الثقافية التي مررت عليها على مدى أسبوعين في بغداد وأكثر في مدينتي الأم العمارة.. مظاهر أقل ما يقال عنها أنها تريد صناعة ثقافة عراقية جديدة متخلصة مما علق بها سنوات الفكر الشمولي الذي منع كل شيء دون استثناء حتى الهمسات!!!...
على أن المقالة المشار إليها، وتيار يقوده بعض اليائسين والخاسرين أيضاً له حضوره الخجول في العراق، تيار يريد أن يوقف الحياة باللغة بعد أن فشل من حاول أن يوقفها بصناعة الموت، أقول أن المقال وأصحابه ينطلقون في أفكارهم من عقد شخصية بالدرجة الأساس، عقد تتعلق بالخسائر، خسائرهم الشخصية التي منيوا بها بعد زوال الديكتاتورية، حيث كانوا، بطريقة أو بأخرى، يعيشون في ظلال الديكتاورية، مثل نباتات تعتاش على شجرة كبيرة، فلما أسقطت الشجرة تضرروا من ذلك بشكل مباشر، نسوا أو تناسوا أن للأشجار أرضاً لا تموت..
علينا الاستدراك هنا بالقول، أننا لا ندعو إلى إقصاء هؤلاء من حياتنا، الثقافية خاصة، فنحن لسنا دعاة ذلك كما كان أسلافنا يفعلون، بل نجادلهم الحجة بالحجة، نفتح لهم الأبواب والشبابيك وقبلها قلوبنا الجريحة مما عانينا طوال عقود من الموت والخراب.. لقد أصدر حراس المرحلة السابقة فرمانات الموت بحق زملائهم المثقفبن المختلفين مع السلطة الديكتاتورية ونشروها في الصحف الرسمية فيما لم أقرأ في الصحافة العراقية اليوم ما يشبه تلك الفرمانات سيئة الصيت بل العكس هو الصحيح... أما التحجج بالاغتيالات التي راح ضحيتها العشرات من أهل العلم والثقافة التي شهدتها سنوات ما بعد سقوط الصنم فهي حجج يراد بها الباطل إذ لم تستثني الفلول الإرهابية من العراقيين شريحة لم تقصدها، ولم يكن المثقفون استثناءً..
تعالوا أيها الأصدقاء إلى كلمة سواء... تعالوا نختلف.. وتعالوا نعترف.. وتعالوا نتصالح...
أن تقام ندوة عن المسرح في هذا الزمن الصعب بطولة لمنظميها..
أن يحضر العشرات أصبوحة للشعر بطولة للشعراء والجمهور على حد سواء، خاصة وإن الجميع يحضرون بلا تكليف رسمي أو أمر إداري كما كان يحصل في المهرجانات إياها، وكراسي صالة مسرح الرشيد تشهد على ذلك...
أن يقيم مجموعة من المجانين ندوة يعقبها فيلم سينمائي حديث بطولة..
أن يقرر مجموعة من المحترفين أو الهواة تقديم عرض مسرحي اليوم بطولة..
أن تصدر دار الشوءون الثقافية العامة هذا الكم من الإصدارات الحديثة والسلاسل المنوعة بطولة..
أن تصر أكاديمية الفنون الجميلة وجامعة بغداد والمستنصرية على استقطاب الكقاءات العلمية لكوادرها وتنظم أيام الدراسة ومنع التدخلات بطولة...
أن يقيم رسام عراقي معرضه الشخصي الجديد في بغداد بطولة...
وان تكتظ فاعة موسيقى بالجمهور بطولة
أن يعاد إعمار شارع المتنبي بعد الجريمة السافلة لتهديمه، ليكتظ بالرواد من جديد بطولة.
أن نقف في شارع المتنبي أياه، فيلتقي فلان اليساري بفلان اليميني ويتحاوران بصوت عال حتى، بطولة...
استشهاد كامل شياع بطولة..
محبتنا لبلادنا بطولة، وكل منا يبكي عليها بالطريقة التي يراها تغسل ذنوبه، بطولة حتماً..
البلاد اليوم تولد من جديد.. وعلى محبيها الكثر أن يشجعوا مظاهر الخير والفرح فيها لا أن يزيفوا الحقيقة التي نراها كل يوم في شوارع بغداد.. ولماذا هذا التزييف أصلاً؟ هل لعلة في النفس مثلاً؟ أو لقدرة على تخريب الجمال الذي يقاوم الموت بشتى الصور؟ كيف يريد هذا الناقد وأمثاله أن تنتعش الحياة الثقافية العراقية اليوم إذا كان يعترض اصلاً على أصبوحة شعر في اتحاد الأدباء أو مسرحية تعرض مساءً في المسرح الوطني؟ ما مشروعه البديل؟ لم يقل لنا شيئاً من ذلك، ولكننا نعرف بديله الذي يدعو إليه على اية حال، وهو بديل لن يكون.. لأن التاريخ قد تحرك حقاً.