عن أزمة صناعة العرض المسرحي اليوم
مناقشات أولى 2
لقد كان مبرراً تماماً في سنوات الحصار العجاف أن ينتح العراق مسرحية في العام الواحد، أو أن يقرر مجموعة من المسرحيين العمل على عرض يعدونه للمشاركة في مهرجان عربي تصلهم دعوته بشق الأنفس... وبالرغم من أننا اعترضنا على المسعيين أنذاك ولكننا اليوم نقرر أن ذلك كان أفضل ما يمكن الحصول عليه في ظل وضع مأساوي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.. فالحصار الذي عاشه المسرح العراقي خلال عقد التسعينيات كان حصاراً متعدد الأوجه، تبدأ تلك الوجوه بالحصار الأممي ولا تنتهي بحصار السلطة... ولقد أن اليوم لكل ذلك أن ينتهي، خاصة مع نهاية الديكتاتورية وولادة عصر الحرية في المسرح العراقي... فما الذي حصل ؟؟؟
لم تحمل الأعوام التي تلت انهيار الديكتاتورية ملمحاً يشي بتحرر المسرحيين العراقيين من قيود الماضي القاسية.. فقد ظل الموسم المسرحي بالكاد يقدم عرضاً واحداً فيما ينتج بعض المسرحيين عروضاً للمشاركة في مهرجان في هذه العاصمة العربية أو تلك.. فهل علينا أن نبرر ذلك اليوم أيضاً؟؟
تضطلع دائرة السينما والمسرح، شئنا ذلك أم أبينا، بدور الراعي الأكبر للظاهرة المسرحية في العراق.. ولأنها كذلك فإن مناقشتنا هذه تتقصدها بالتحديد دون أن يعني ذلك أن مؤسسات أخرى معنية بالظاهرة المسرحية بريئة تماماً..
لقد حاولت الدائرة بعد التغيير أن تحرك جسدها الثخين عبر أقسامها المختلفة: مسرحية هنا وعرض للفنون الشعبية هناك.. مجلة هنا وندوة هناك.. وبالطبع علينا أن ننسى مديرية السينما تماماً في هذا الحديث، فهي علاوة على كونها ليست هدف هذه الورقة، فهي أيضاً قد استقالت من الحياة الثقافية العراقية منذ حوالي عشرين عاماً!!!..
ما خص المسرح لم تكن الدائرة غير مقر لتجميع البشر!!!.. فهي عاجزة بالفعل عن تشغيل المئات من المنضوين تحت يافطتها.. ولهذا أسبابه الواقعية وغير الواقعية.. فقاعات الدائرة الخاصة بالتمرين والعرض أكثر من نادرة بعد الهجمة التترية التي أعقبت الاطاحة بالديكتاتورية.. وهذه مشكلة لم أجد خلال بحث وسؤال أي حل معقول لها يلوح في الأفق... ولكن هل يمنع ذلك من أن ندعم في حال متفائل خمسة عروض في العام الواحد؟؟؟ إليكم الطريقة:
تقرر دائرة السينما والمسرح تسمية خمسة مخرجين من أجيال مختلفة وتعهد لكل مخرج بمدير مسرح مناسب.. يقوم المخرج الفلاني باختيار نص مسرحي ثم مجموعة ممثلين من الدائرة نفسها.. فيما يقوم مدير المسرح بحجز قاعة التمارين الوحيدة التي ستخصص لصاحب المشروع الأول.. يمنح المخرج فترة تمارين لا تتجاوز الشهرين.. وبعدها يكون ملزماً بتقديم عرضه المسرحي على قاعة المسرح الوطني، القاعة المسرحية الوحيدة المتوفرة في العراق، ليعرض بعدها لمدة أسبوع واحد.. وبعد نهاية العرض يباشر المخرج الثاني تمريناته على مسرحية جديدة، وبنفس الآلية سوف نحصل في العام الواحد، حوالي 11 شهراً، على خمسة عروض، تكون مؤهلة في نهاية العام للمشاركة في مهرجان مسرحي تقيمه دائرة السينما والمسرح لمخرجيها وكوادرها تعقبه جلسات نقدية وتغطية إعلامية مناسبة... خمسة عروض تقرر الدائرة ولجنة مختصة بهذا المشروع أن تتنوع بين عرض مسرحي شعبي وآخر من عروض المسرح العالمي وثالث تجريبي ورابع ملحمي وخامس غنائي، فهل هذا مستحيل؟؟
أننا نعرف أن ثمة من سيعقد فكرة من هذا النوع، كأن يريمينا بالجهالة، أو في أحسن الأحوال سيصفنا بالحالمين.. وسوف نقبل بهذا التحدي شريطة أن يوضع هذا المقترح على طاولة المناقشة من إجل إخراج مسرحنا العراقي من دائرة العبث التي تحيط به..
مقترح مثل هذا إذا ما تحقق سوف يمنحنا الأمل..
وبالتالي فإن من شأن مثل هذا المقترح أن يشغل مجموعة من مخرجي الدائرة المسرحيين الذين يتشكون، وهذا حقهم، من ندرة الفرص.. كما سيمنح مجموعة كبيرة جداً من الممثلين والفنيين فرصة ممارسة عملهم بعد انقطاع طويل.. فكروا بعدد الذين سيسهمون في مثل هذا المشروع وإخراجهم من عزلتهم القاهرة إلى فضاء العمل والإبداع.. وبالنتيجة فإن المشروع سيحقق حضوراً مفتقداً للدائرة الأم في العراق في هذه الظروف بالتحديد..
وستبقى مشكلة التمويل هي العائق الأبرز في ذلك كله.. ولكننا على ثقة من أن الدائرة لو تبنت مثل هذا المشروع فإنها لقادرة على مفاتحة وزارة الثقافة أو مجلس الوزراء ولا أعتقد أن أي من الجهتين سوف تمانع من عودة الحياة المسرحية إلى طبيعتها في العراق اليوم..
لقد شهدنا في بغداد العقود الماضية أكثر من مهرجان بهذه الطريقة، وهي مهرجانات خاصة فقط بنتاجات دائرة السينما والمسرح، على أن الفارق بين ما ندعو إليه ومهرجانات الأمس يتمثل في أن مقترحنا سوف يمنح الدائرة ميزة تشغيل كوادرها على مدار العام، فلا ننتظر المهرجان المسرحي لكي تعرض أعمال الدائرة خلال أسبوع واحد، وإنما يكون المهرجان لعرض مجموعة عروض الموسم المسرحي التي شاهدناها عرضاً بعد عرض حيث ستكون ميزة المهرجان هنا في الحشد الإعلامي والنقدي الذي سيرافق المهرجان.
إن خطوة من هذا النوع، ناهيك على مساهمتها في إزالة الكآبة التي يسببها عطل فن المسرح في العراق، سوف تشجع جهات أخرى على اتخاذ خطوات أخرى من هذا النوع، ومن يدري، فلربما سنجد خلال العامين القادمين أن بغداد تحتضن أكثر من مهرجان مسرحي في العام الواحد.
علينا أن نذكر في هذا السياق الجهود الجارية على قدم وساق لإقامة مهرجان مسرح الطفل في بغداد، وهو مهرجان مهم ولا شك، ونحن نشد على أيدي القائمين عليه بصدق وإخلاص.. ولعلنا ننتهز هذه الفرصة في الدعوة إلى دعم مقترحنا الجديد، القديم، ولا أعتقد أن في الدائرة من لايحب أن يرى أضواء المسارح/ المسرح الوطني، وقد اشتعلت من جديد ووقف على خشبتها نجوم الدائرة..
وللحديث صلة..
****