عن أزمة صناعة العرض المسرحي اليوم

مناقشات أولى

 

  

كثيرون أعتقدوا، وكنا منهم، أن التحول من الديكتاتورية إلى الديموقراطية في العراق سيمنح المسرحيين فرصة سانحة لإطلاق مواهبهم التي تعطلت أجزاء كبيرة منها في العقود الماضية بسبب القمع وغياب الحريات.. ولكن ما حدث بعد العام 2003 كان مخيباً للآمال بشكل غير مسبوق.

 لقد كان أول المتأثرين مباشرة بأحداث الحرب وما تبعها سلبياً هي بنايات المسرح في بغداد والمحافظات، وإذا ما ألقينا نظرة سريعة إلى مسارح العاصمة فقط فسوف نصاب بالذهول: مسرح الرشيد العتيد ما زال يحكي قصة الحرب دون أن يرق لحاله صاحب مال أو مسؤول، فيما يئن المسرحيون عندما يمرون عليه بصمت.. مسرح المنصور دخل في جغرافيا المنطقة الخضراء وضاع خبره فنساه أهل المسرح... فيما أزيل مسرح الخيمة من الوجود وأقفل مسرح النجاح أبوابه وعطل منتدى المسرح وهجر المسرحيون مسرح بغداد بسبب ضعف امكانيات المسرح وتخلف المبنى وهو الأمر الذي ينطبق على مسارح أغلب الفرق الأهلية ذائعة الصيت مثل المسرح الشعبي ومسرحها الستين كرسي!!!... لم ينج من المذبحة سوى المسرح الوطني، ذلك الذي صمم بالأساس لاحتضان عروض بعينها (بسبب من حجم المسرح وتصميم خشبته وقاعته الهندسية)...فصار المسرح مقراً للكثير من المؤسسات الفنية دفعة واحدة: دائرة السينما والمسرح: مديرية المسارح، الفرقة القومية للتمثيل، الفرقة القومية للفنون الشعبية، مديرية السينما، قسم البحوث والاعلام ألخ.. بالإضافة لكونه صالة عرض مسرحي ومقر الكثير من احتفاليات الدولة ومؤسسات ثقافية عديدة أخرى..

وها نحن اليوم  أمام أزمة لا يبدو في الأفق المنظور أي أمل بحلها... مسرحيون كثر بلا قاعة عرض صالحة!!!. ومناسبات ثقافية عديدة بلا قاعة أيضاً.

 

والسؤال المنطقي في هذا الحال: هل ستقوم الدولة، ما دمنا نعتمد لحد الآن على دعمها الثقافة الوطنية، ببناء وإعمار قاعات العرض المسرحي؟؟؟ الجواب الصريح حول هذا السؤال  يفيد بالنفي.. وهو أمر محزن حقاً، بل ويثير الشفقة!! حجج الدولة في هذا الشأن، والآن تحديداً، مقنعة، وذلك بسبب العامل الأمني.. فعن أي مسرح يتكلمون؟؟؟... وإذا ما نظرنا إلى قوائم المشاريع العمرانية المستقبلية التي يعلن عنها بين الحين والحين سنصاب بالخيبة حتماً ونحن نرى أن بناء مسرح جديد لا يخطر على بال القائمين على مهمة إعادة بناء البلاد بعد عقود الخراب!... هكذا نصاب بالكآبة ونحن نرى حقائق الواقع التي تقول: إن لا مسرح حديث في العراق غير بناية المسرح الوطني، وفي أحسن الأحوال تدشين بناية عتيقة على دجلة، مشابهة لبناية منتدى المسرح، لتكون قاعة عرض جديدة، وهو ما أكده الفنان شفيق المهدي مدير عام دائرة السينما والمسرح في لقاء جمعني به مؤخراً.

 

المسرحيون العراقيون من جهتهم كانوا كسالى لجهة مطالبة الدولة، وجهات أخرى مثل منظمات المجتمع المدني المنتشرة في العاصمة بضرورة إعادة تأهيل أو بناء مسارح في بغداد...واكتفوا بما يسمونه هم أنفسهم: مسرحيات المهرجانات المنعقدة خارج البلاد... وهي مهنة اليائسين على أية حال!

 

ماذا عن مسارح أكاديمية ومعهد الفنون الجميلة في بغداد؟ يأتيك الجواب من أهل الحرفة الذين يقولون بأنها قاعات ظلت كما هي، يقدم عليها الطلبة مشاريع تخرجهم وحسب، ولم تشهد تجارب لافتة خلال السنوات الماضية، خاصة وإن أساتذة المسرح في الأكاديمية والمعهد لم يقدموا على تلك القاعات ما يذكر، أو على الأقل كما كان عليه الحال في عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات الماضية، ونحن لا نملك أزاء ذلك غير العجب.. فإذا كان هذا هو حال القاعات الأكاديمية فكيف سيكون الحال عليه في أماكن أخرى؟؟؟!!!.

 

ويبدو الحديث عن مسارح الفرق الأهلية مؤسياً هو الآخر.. فهذه الفرق كانت تعتمد على إدامة قاعاتها القليلة قبل العام 2003 على العروض "الكوميدية" التي تقدمها، بل أن الكثير من تلك الفرق قامت بترميم قاعات أخرى لهذا الغرض حصراً، ولكن، ومع تردي العامل الأمني  بعد التغيير وانحسار ظاهرة الليل البغدادي فإن هذه الفرق أقفلت مسارحها وتركتها نهباً للإهمال والخراب، وربما سكنت بعض تلك القاعات عوائل مشردة أو مهجرة!!!.. ويبدو لي أن مشكلة هذه الفرق ليست عصية على الحل تماماً.. فمع تطور العامل الأمني المضطرد، ومع تقليص ساعات حظر التجوال الليلي، ومع عودة الحياة في الكثير من مناطق بغداد، وخاصة أمسيات تلك المناطق، يصبح من المنطقي أن تعود تلك الفرق لتقديم مسرحياتها اليومية بعد الحصول على ممول مناسب لترميم قاعاتها غير الصالحة أصلاً والتي تفي بالغرض فقط...

 

 على هذا المنوال تبدو صورة حاضر ومستقبل قاعات العروض  المسرحية في بغداد مأساوية حقاً، وحلول الجهات المعنية في هذا الاتجاه معدومة بالكامل.. فيما قررت أجيال من المسرحيين التوزع بين دراما التلفزيون والمقاهي... وبالطبع فإن للدراما التلفزيونية والمقاهي شروطاً على حد سواء.. فليس من الغريب بعد ذلك أن تجد ندرة في مشاريع التأليف والإخراج والتمثيل الجادة.. وليس غريباً أن يصاب الممثل العراقي تحديداً، بأمراض جديدة تضاف إلى أمراضه السابقة.. وليس غريباً أيضاً أن يصبح المسرح مجرد ذكرى..ذكرى من مجمل الذكريات العتيقة..

 

هذا ما خص جانب المباني المسرحية في العاصمة بغداد فقط، فكيف هو الأمر بالنسبة إلى مدن عراقية أخرى تعرضت في الأعوام السابقة إلى غزوات متكررة من فيالق الجهل والموت وما شابه ذلك؟؟؟

 

ماذا أيضاً عن العناصر الأخرى الداخلة في صناعة العرض المسرحي؟؟ إنه حديث مؤس آخر بحاجة إلى مناقشات مستمرة..

***

 الصفحة الرئيسة