بيان المسرح الشعبي

 

 

تصور عام

 

عانت المسرحية الشعبية في العراق من ظلم فادح على مدى عقود طويلة، ومن المؤسف له أن هذا الظلم قد اشترك في اقترافه مسرحيون مرموقون في عناصر التأليف والإخراج والتمثيل، فيما كانت مساهمة المنظرين المسرحيين العراقيين في هذا الاتجاه محدودة للغاية..

لقد استطاع حفنة من التجار أن يجيروا اصطلاح المسرح الشعبي لصالحهم عندما اكتسحوا المشهد العراقي بعروضهم التي امتلأت بها القاعات البغدادية خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وهي عروض لا تصمد في الفحص النقدي كثيراً بل إنها عبارة عن توليفات مسرحية فجة تتمترس خلف شعار فضفاض كان يمثل سر نجاح تلك العروض هو شعار المسرحية الشعبية.

من جهتهم، كان المسرحيون العراقيون المعنيون بالمسرحية الشعبية الحقيقية، وأقصد: سامي عبد الحميد، قاسم محمد، فاضل خليل، عزيز خيون، عوني كرومي قد قطعوا شوطاً طيباً في الابتعاد عن تلك المسرحية لأسباب متفرقة تخص كل تجربة من تلك التجارب المميزة على حدة... ولعل مثابرة الفنان محسن العلي في المزاوجة بين المسرحية الشعبية جيدة الصنع وتلك التي تخضع لاشتراطات السوق أنذاك كانت التجربة اليتيمة الوحيدة التي من الممكن القول عن تواصلها، دون أن تعني تلك الجملة أن التجارب الأخرى قد غابت عن الذاكرة..

ما المطلوب اليوم لكي تعود المسرحية الشعبية إلى سابق عهدها؟ مسرحية يحضرها الجمهور دون أن يفر منها.. وفي الوقت ذاته مسرحية تشرف منتجيها بلا استثناء؟؟؟

بالعودة إلى تجارب الفنان محسن العلي في المسرح الشعبي، ومن أجل فحص أسباب نجاح تلك التجربة، فإننا سنجد الاشتغال على الثيمة المحلية الصرف واعتماد النجم الجماهيري في الآن ذاته قد أسهما مساهمة فاعلة في نجاح مسرحيات العلي... كما أنه كان يزاوج بين الموسيقى والرقص، والكوميديا السريعة، والموضوعة الشيقة لينتج عرضه المسرحي.. وهذه العوامل مجتمعة التي اسهمت بانجاح تجاربه  محلياً كانت عائقاً على الأرجح في أن تنطلق تلك التجارب خارج الحدود العراقية، واستعاض العلي من أجل هذا الخارج بتجارب أخرى لم تكن، في تقديرنا، لتمثل خبرته المسرحية التمثيل الأفضل، فلماذا إذن حدث ذلك؟؟

كان المسرحيون العراقيون مشغولون على الدوام بفكرة المشاركة في المهرجانات العربية بسبب من غياب فرص السفر الحقيقية لهم، وهي فرص كانت ستمنحهم تجارب جديدة في الاطلاع على ثقافات العالم وفنونه ما يدفعهم إلى تطوير نماذجهم.. ولأن فرصة السفر نادرة فلقد برع هؤلاء بانتاج عروض تصلح لأي مهرجان ولا تتقاطع بالضرورة مع المتطلبات السياسية التي كانت سائدة في العقود الماضية، مع محاولة عدم الاخلال بالشرط الجمالي.. وهو اشكال حقيقي يقع على الدوام بالضد من تطلعات المسرحيين أنفسهم، وليس غريباً بعد ذاك أن تجد تجارب مخرج مسرحي كبير مثل الدكتور صلاح القصب مسابقة الظفر بالسفر خارج العراق، على سبيل المثال لا الحصر.

أقصيت ها هنا المسرحية الشعبية من السفر,, وبالتالي ظل نموذجها يقدم في العاصمة ليبدأ هذا النموذج عاماً بعد عام بالتنازل عن الشرط الفني والجمالي لصالح اشتراطات السوق حصراً. إنه فخ ولا شك وثعت المسرحية الشعبية العراقية فيه بصورة مباغتة ولم يعد من الممكن تخليص هذه المسرحية من الفخ حتى مع النماذج اليتيمة التي يقدمها هذا المخرج المسرحي أو ذاك.. وبالفعل شهدنا تجارب من هذا النوع قدمها قاسم محمد وعوني كرومي وفاضل خليل وعزيز خيون وحيدر منعثر وغانم حميد ألخ لم تسفر بمجملها عن عودة الحياة للمسرحية الشعبية التي نرجو..

إن متطلبات العرض المسرحي الشعبي الذي يصمد اليوم أمام إغراءات أخرى تقدمها الفنون المسرحية بشكل خاص يتطلب شروطاً جديدة هي ليست بالضرورة الشروط ذاتها التي أنتجت المسرحية الكبيرة الخالدة: النخلة والجيران، بل أننا نكاد نؤكد بأن تجربة من مثل تجربة النحلة والجيران هي وليدة مرحلة معينة من عمر المسرح في العراق والعالم أيضاً لا يمكن تكرارها ولو اجتمعت كل شروط نجاح المسرحية الأم... علينا اليوم أن نبحث عن فضاء جديد لإنجاح مسرحية شعبية تليق بالزمن الذي نعيشه ولا نعتقد أننا نطلب الشيء المستحيل.

كما أن شروط نجاح مسرحيات الفنان محسن العلي، التي أشرنا إليها قبل قليل، ليست بالضرورة هي الشروط المناسبة لنجاح المسرحية الشعبية اليوم..  والأمر ينطبق على أبرز تجارب المسرح الشعبي الأخرى التي نعرفها ونقدر أهميتها ودورها التاريخي في هذا المجال.

 -----

 

 لماذا المسرحية الشعبية اليوم؟

  

لقد لعب الوضع السياسي المتأرجح على مدى عقود عراقية كاملة دوراً في صياغة شروط فنية وفكرية وجمالية تحكم صناعة العرض المسرحي، وليس من البعيد تصوره أن يكون الوضع السياسي اليوم سبباً في الدعوة الى انتاج مسرحية شعبية عراقية تعيد الاعتبار للهم العراقي.

لقد انهار بانهيار النموذج الديكتاتوري الشعار القومي الفضفاض الذي كان يطرح القضية العربية ضمن سياق لغوي جائر عملت الكثير من الشعوب العربية على تجاوزه منذ زمان طويل في التمظهرات الثقافية لتلك الشعوب، وما دام حديثنا مخصوص بالمسرح فانه من السهل علينا اليوم تذكر عشرات التجارب القادمة من تونس والجزائر والمغرب ومصر وسوريا على سبيل المثال ، تلك التي كانت تشارك في المهرجانات المسرحية المنعقدة في بغداد أو القاهرة أو دمشق أو قرطاج وكيف كانت تقدم باللهجة الدارجة لبلدانها وكيف كان منظمو تلك العروض يضربون عرض الحائط الأصوات التي تطالبهم بتقديم عروضهم باللغة العربية الفصحى.. لقد كان الشعار القومي بعيداً إلى حد ما عن مسرحهم، أو أن مسرحيي تلك البلدان العربية كانوا يقاومون هذا الشعار في تجاربهم فلا يخشون من مشاركتها في المهرجانات العربية .. أما زملائهم في العراق فكانت عروضهم التي تقدم باللهجة الدارجة تظل حبيسة الحدود العراقية لأن في الافراج عنها عربياُ اساءة ما بعدها اساءة للفكر القومي وشعاراته الرائجة أنذاك في بغداد، وهي الشعارات التي زجدت لها صدى أثناء سلسلة الحروب والحصارات الدولية التي تعرض لها العراقيون، فكان العرب يصفقون للعذاب العراقي الذي ما ترك عائلة إلا ونهش جسدها الغض فيما تجلدهم من جانب آخر تلك الشعارات الضخمة والبعيدة تماماً عن هموم الناس وآلامهم.. لقد انبهر المسرحيون العراقيون بالعروض الشعبية القادمة من مختلف الحواضر العربية، ولم تكن اللهجات الصعبة، وخاصة المغاربية منها، تلك التي أختيرت لغة لمسرحياتهم عائقاً أمام تواصل الجمهور العراقي معها، بل أن اللهجات قد أضفت طابعاً وملمحاً جديداً لتلك العروض أجبر منتجيها على التفكير ملياً بضرورة خلق صورة مسرحية معاصرة عابرة للحدود، وهكذا كان، فتطور الأمر لدرجة أن يعرض المسرح الجديد الذي يقوده التونسي المعروف الفاضل الجعايبي عروضه في العواصم الأوربية المختلفة، وهو يقدم مسرحه دائماً باللهجة التونسية...

اليوم، ومع سقوط الشعار القومي في العراق، وبروز ظاهرة الانتحاريين العرب، بدأ العراقيون ينظرون بجدية إلى هويتهم الوطنية، وليس أكبر من المظهر الثقافي مظهراً يحفظ هذه الهوية في ظل واقع معقد ومليء بالأحقاد والهموم والشجون.. ولقد بدأت الفضائيات العراقية بالفعل اعتماد اللغة المحكية بديلاً عن ما كانت تعتمده القناة الرسمية العراقية في العقود السابقة من لغة عربية يجد كثيرون صعوبة في التواصل معها وفهم مستوياتها الدلالية.. فضائيات اليوم كسرت هذا القانون الذي كان يتبع الشعار... فاستطاعت في زمن قياسي أن تقيم علاقات جديدة وحيوية مع متلقيها الأمر الذي كرس عراقية تلك القنوات، وهي عراقية يريدها الجمهور بل هو متعطش إليها تماماً ناهيك عن قدرة اللهجة المحكية ذاتها على تحطيم القيود البلاغية والاستعارية بين الناس، الك القيود التي تفرضها اللغة العربية الفصحى..

وليس ببعيد عن هذا الموضوع الاشكال اللغوي الذي تقع اللغة العربية فيه دون اللغات الأخرى، وخاصة اللغة الانجليزية التي تذهب مفرداتها إلى المعنى مباشرة ودون تفصيلات شارحة وهو الأمر الذي تنجح اللغة المحكية فيه فيما تزدهر الاستعارة في العربية الفصحى.. الأنجليز يكتبون ما يلفظون ولهذا لا تجد شخصاً يرطن بكلام مكانه الكتب فقط، وهو الأمر الذي نعاني منه..

لقد كانت جرأة المثقفين اللبنانيين والتونسيين والجزائريين والسوريين لافتة وهم يقدمون أبرز نتاجهم الفني باللهجة المحكية، وتركوا اللغة العربية ومقايسسها لفنون القول الخاصة باللغة وحدها، مثل الشعر والقصة والرواية والنقد.. وهو ما يذهب إليه اليوم فريق ليس بالهين في الثقافة الفنية العراقية.

لا يمكن اليوم أن يزدهر المسرح العراقي إذا ظل عائق اللغة قائماً.. ولا يمكننا أن نظل نصر على تقديم مسرحياتنا العراقية لجمهور عربي يريد أن يفهم ما جرى إذا كنا نصر على اللغة العربية القصيحة.. أمام المسرحيين اليوم، واليوم تحديداً حيث سقطت الموانع الضخمة التي كانت تعيق حركتهم، فرصة أن ينتجوا عروضاً مسرحية حرة بكل ما لكلمة الحرية من معنى، حرية تتيح للمثل والمخرج على السواء إمكانية التعبير عن همومنا الوطنية بيسر وسلاسة.. نحن أحوج ما نكون لتقديم رؤيتنا الوطنية للمتغير الكبير الذي حصل في التاسع من نيسان.. وكذلك لعقود القهر والديكتاتورية الطويلة.. أمامنا اليوم فرصة أن نصنع عرضاً شبيعاً لا يتعكز على الآيديولوجيا، بالرغم من أهميتها، بقدر تعكزه على هموم الناس التي هي همومنا جميعاً.. وهي مناسبة لإخراج عرضنا المسرحي المعاصر من عزلته العراقية.. وبالطبع فإن حجة التواصل مع العرب قد أسقطت بالفعل، ليس على ايدي مسرحيينا، فلقدسبقنا إلى ذلك العرب أنفسهم، ولماذا نصر على أن نقدم ما يقيم نسقاً تواصلياً مع العرب على حساب نسق نريده تواصلاً مع مواطننا العراقي؟؟؟؟.

 

 

جدل المقترحات

 

إننا الآن، وفي سياق البحث عن نموذج يعيد هيبة المسرح الشعبي في العراق نحاول أن نصنع تصورات جديدة تخلص هذا المسرح من مشاكله العتيدة وفي الوقت ذاته تنتج مسرحية جديدة معاصرة نستطيع أن نفخر بها سواء اقدمت في بغداد أو أي عاصمة أخرى.

في البدء لابد من التخلص من سطوة المؤلف لصالح ما يمكن أن يمنحه المختبر المسرحي، إن المختبر المسرحي يمنحنا حلولاً وأفكاراً تصلح على الدوام لتكون ثمرة جهد معاصر، وأعني نص خشبة يناسب الآن تحديداً.. مراحل المختبر في هذا الاتجاه ستكون محصورة بالمخرج بالدرجة الأساس وكاتب نصوص محترف ودراماتورج وممثل يعتد به وبتجربته وثقافته، وبعد سلسلة من اللقاءات التي تتناول الحدث المحلي وتجلياته العالمية، وكذلك آخر الإصدارات الروائية العراقية وحشد من الأسئلة الجمالية فإننا سنخرج بنص عرض يكون اللبنة الأولى على طريق العرض المنشود... تتطور الحلقة بعد ذلك لتشمل مثقفين اخرين، أبرزهم شعراء وممثلون ألخ لكي تتطور البؤرة الدرامية المقترحة والتي ستوصلنا إلى نص عرض محكم بطريقة أولية.. هذا التص هو الذي سيؤهل الفريق للصعود إلى الخشبة وانجاز التمرينات الأولية للعرض دون أن يعني ذلك أننا وصلنا إلى النص النهائي، فالنص النهائي يظل على الدوام مشروع المجموعة النهائي.

لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال الاستغناء عن خدمات المؤلف المسرحي.. بل أننا نستطيع أن ننشط عملية التأليف المسرحي من خلال إقامة ورش متخصصة يحاضر فيها كبار كتابنا وفنانينا، أو من خلال إقامة مسابقات طوال العام لاكتشاف مؤلفين مسرحيين جدد، وأيضاً من خلال العمل بالطريقة التقليدية التي يقدم فيها مؤلف ما نصه للمخرج الفلاني الذي يلائم تطلعاته الفكرية..

ذلك كله لن يمنعنا من الذهاب إلى المختبر المسرحي إياه.. إن ظرورة المختبر المسرحي، كما أزعم، تقع في قدرته على تخليص عروضنا من سيادة النمط.. النمط الذي تشكل طويلاً في الذاكرة الجمعية بصدد ما نسميه بالمسرحية الشعبية.. وإذا ما تمت الاطاحة بهذا النمط فسيصبح من السهل تماماً انتاج عرضنا الجديد الذي ندعو إليه..

يقوم العرض الشعبي الجديد على ركائز عديدة لعل في مقدمتها مشروع النص المسرحي.. إننا نستطيع اليوم الإفادة من تقنيات الحداثة وما بعد الحداثة في صياغة هذا النص. ومن الممكن بالنسبة لنا التخلي عن استطرادات النص الشعبي التقليدي التي تصنع النفور والملل، وهو ليس بالأمر الصعب على اية حال أذا ما أدرك المؤلف الزمن الذي يعيش فيه وهو زمن سريع ومتوتر على الدوام.. صناعة نص شعبي جديد يؤدي إلى خلق فرص جديدة في الإخراج والتمثيل وهو هدفنا النهائي للوصول إلى العرض المرتجى.. من الممكن للمسرحيين مواصلة مشاريعهم التجريبية التي ينظرون عنها باستخدام نصوص شعبية، ومن الممكن للممثلين أيضاً استثمار قدراتهم الأدائية التجريبية في هذا الصدد دون أن يعني ذلك أنهم ممثلين من الدرجة الثانية!!.. لقد آن الأوان للمسرحيين العراقيين أن يكفوا عن نظرة التعالي للمسرح الشعبي التي وقعوا فيها لسنوات طويلة وبالتالي وضعت مفهوم المسرحية الشعبية لا للبس فقط وإنما صار المفهوم مطية لقليلي الخبرة والمنتفعين لكي يمرروا مشاريعهم الربحية من خلاله..

يستطيع العرض الشعبي، إذن، أن يكون تجريبياً، مغايراً، ومدهشاً أيضاً.. كما يستطيع هذا العرض أن يكون نخبوياً إذا أردنا وجماهيرياً أن أحببت.. وهذا كله في تقديرنا ليس مهماً جداً.. ما هو مهم اليوم انتاج مسرحية تعبر عن آلامنا، شجوننا، أحلامنا، أفكارنا الوجودية وأفراحنا أيضاً..

تبدو المسرحية الشعبية اليوم خياراً عراقياً جديداً لمسرح يريد أن يستعيد دوره، وهو خيار لا يتقاطع بالضرورة مع خيارات أخرى قد تصلح عند مخرجين مجربين آخرين..

--------

 الصفحة الرئيسة