حاجتنا الى منتدى المسرح

 

 

لن نأتي بجديد اذا ما تحدثنا عن الخدمة الجليلة التي قدمها منتدى المسرح للمسرح العراقي طيلة أكثر من خمسة وعشرين عاماً مضت حتى ساعة انهيار الديكتاتورية وما تعرض له المنتدى وغيره من دوائر الدولة من عبث وتخريب...

منتدى المسرح هو المكان الوحيد على حد علمي الذي استطاع أن يؤسس علاقة جدلية وحميمية بين المسرحي العراقي وجمهوره، دون أن نجحد ما قدمه مسرح بغداد وفرقة الفن الحديث في هذا الصدد..

طيلة سنوات عمر المنتدى تعرفنا على تجارب من الاتجاهات المسرحية المختلفة.. وهي تجارب أكاد أجزم بأن غالبيتها كانت تقدم خطاباً جمالياً متقدماً وفي الوقت ذاته أسست إلى حد ما ما يمكن تسميته بمسرح الرفض في زمن تكميم الأفواه والعقول.. تجارب لمخرجين وممثلين وكتاب وتقنيين من مختلف الأجيال العراقية، ومن مختلف المدن أيضاً حتى صار المنتدى محراباً للمسرحيين الحالمين بأفق الحرية.. وبالرغم من أن دائرة السينما والمسرح كانت أحياناً تقصي عروضاً بعينها إلى بناية المنتدى للتقليل من شأن تلك العروض على أن هذا لم يمنع تلك العروض من التوهج هنا وهنا تحديداً..كما استطاع المنتدى أن ينتج جمهوراً خاصاً يعرف الآن بجمهور منتدى المسرح حصراً.

استثمر المخرجون فضاءات المنتدى العديدة، مثل ساحل النهر، الحديقة الخلفية، غرف الطابق الثاني والقاعة الرئيسة، وكذلك غرف القاعة  الثانية وملحقاتها ( التي أصبحت كافتريا فيما بعد) ولم يدخروا وسعاً وهم ينقبون في كل يوم عن خفايا المكان وما يمكن أن تمنحه تلك الخفايا من رؤى وصور.. وإذا ما أردنا استذكار تلك العروض فإننا حتماً سنغفل عن ذكر كثيرين قدموا على المنتدى أجمل أحلامهم المسرحية..

ومنتدى المسرح كان مكانه دائرة السينما والمسرح ذاتها في الصالحية ولكن تم الاتفاق على أن تكون بناية شارع الرشيد مقراً للمنتدى منذ أواسط الثمانينيات، والمكان عبارة عن بيت بغدادي من الطراز القديم يمتاز بفضاءاته وغرفه العديدة وكذلك موقعه الستراتيجي ما أهله ليكون بسرعة مكاناً للمسرحين الشباب على وجه الخصوص، ولقد أطلق عليه فيما بعد منتدى المسرح التجريبي بسبب من تنوع التجارب وميلها الواضح إلى التجريب المسرحي.

إن فضاءاً مثل فضاء منتدى المسرح نجد ما يشبهه في الكثير من دول العالم... ولقد اطلع المسرحيون العراقيون على فضاءات مشابهة في القاهرة وتونس وبيروت وغيرها ضمن مشاركاتهم في مهرجانات المسرح التي تقام في تلك العواصم، كما كنت قد شاهدت عرضاً مسرحياً في أستراليا  ذكرني ومن معي من الأصدقاء بمنتدى المسرح على الفور...أجد هذه الملاحظة ضرورية حقاً ونحن نتحدث في هذه الورقة عن حاجة مسرحنا العراقي إلى المنتدى.

إن المحاولات التي يبذلها الأصدقاء في دائرة السينما والمسرح من أجل إعادة الحياة إلى هذا المرفق الحضاري هي محاولات جادة حتماًَ ولا أعتقد أن ثمة بيننا من لا يباركها، ولكنها وللأسف الشديد محاولات تصطدم بفهم ساذج لدور المسرح في حياة الشعوب تبديه الجهات المسؤولة عن إعادة الحياة للمنتدى، كما تصطدم بروتينات قاتلة ما ضيق من فرص إعماره أو الأمل بأن نرى الحياة تدب إليه من جديد.

لقد استطاع مهرجان منتدى المسرح السنوي الذي كان يعقد في المنتدى أن يلم عنده العديد من التجارب وأن يؤسس لتقاليد جميلة وحميمية من مثيل جلسات النقد التي كانت تعقب العروض المسرحية مباشرة، وهو حوار نفتقده اليوم في مسرحنا بشدة، ولطالما ذكرني الأصدقاء بتلك الأيام وكيف كان حوار النقاد والمتفرجين من جهة والمخرجين ومنتجي العروض من الجهة الثانية يستمر لساعات بعد انتهاء العروض، وهي مظاهر كانت تسهم في اثارة الحركة المسرحية وتشجيع الحوار بين المسرحيين والنقاد والجمهور.. على العكس مما نراه اليوم عندما تتحول المقهى إلى حاضنة لتلك الحوارات المهمة...

عودة الحياة لمنتدى المسرح صار مطلباً لأهل المسرح كي يعودوا هم بالتالي إلى انتاج ما يثير الجدل والحراك الثقافي وهو ما نحتاجه اليوم... وبسبب حاجتنا الماسة إلى المنتدى أدعو بصدق الجهات المعنية بالأمر إلى استعجال حسم الموضوع، وأدعو الأصدقاء السرحيين إلى تكثيف جهودهم والضغط على من بيده الأمر لتحقيق هذا الهدف الوطني... والجمالي.

 

********

الصفحة الرئيسة