الفعل الروائي لدى طه الشبيب

 

ينبغي التوضيح قبلاً بأننا نقصد باصطلاح (الرواية العراقية المعاصرة) تلك التي أنتجت بعد حربي الخليج في العراق، ولربما يكون الاصطلاح يعاني من مرض في النحت على أن ذلك لا يمنع من المحاولة، محاولة الوقوف عند أبرز التجارب الروائية العراقية التي أنتجت في العراق في عقد التسعينيات العجاف.. والجدير بالذكر هنا أن فنون الكتابة العراقية في هذه السنوات قد شهدت تغيرات كبرى بسب من هيمنة خطاب الإعلام السلطوي على ما دونه ما اضطر مجاميع الكتاب الجادين أو غير الخاضعين لشروط ذاك الخطاب إلى خوض معارك سرية خطرة من أجل نماذجهم المختلفة، ومن ذاك مثلاً شيوع ظاهرة الكتب المستنسخة، وظواهر المجاميع الإبداعية غير الرسمية وكذلك ظاهرة أن يكون الإصدار الأول للكاتب خارج العراق، وفي الحقيقة فإن هذه الملاحظة الأخيرة قد تكرست أيضاً لسبب آخر يتلخص في عدم ثقة القارئ العراقي بالنتاج المنشور داخل الوطن حيث كان هذا القارئ يعلم سلفاً أن لا نتاج يصدر داخل العراق دون أن يكون خاضعاً لاشتراطات المؤسسة الإعلامية الرسمية بالرغم من تطرف مثل هذا الرأي والذي يغبن جهود الكثير من المبدعيين العراقيين.
والتغيرات الكبرى التي شهدها الإبداع العراقي خلل تلك السنوات لم يكن يتعلق بما أشرنا إليه قبل قليل فقط، وإنما شمل تقنيات الكتابة ذاتها، وما دمنا بصدد الحديث عن نماذجها الروائية على وجه التحديد فالإشارة تجب هنا إلى سيادة أنواع من الكتابة الجديدة والغريبة أيضاً والتي شكلت بمجملها ملمحاً ثقافياً عن تنوع المشهد الثقافي العراقي بالرغم من الحصارات الخانقة التي كان يعيشها فعلياً على مدار سنوات طويلة.
والنموذج الذي اخترناه في هذا الصدد كان لروائي عراقي لم يعرف له أي نتاج مشابه قبل سنوات التسعينيات هذه، هو الكاتب طه حامد الشبيب الذي صدرت أولى رواياته في العام 1995.
والشبيب كاتب إشكالي في الثقافة العراقية المعاصرة، إشكالي بسبب من تأخر ظهور نتاجاته، ثم من غرابة هذه النتاجات ومن دخوله الخاص والمفاجئ إلى الرواية وعدم كتابته حتى اللحظة أي نموذج قصصي آخر.. نال جائزة الكاتب نجيب محفوظ لتكون هذه الجائزة تتويجاً حقيقياً لجهده وجهد الرواية العراقية.. آراؤه غريبة بعض الشيء، غرابة تذكر القارئ بغرابة رواياته ذاتها.. يذكر الكاتب موسى جعفر في هذا السياق: "روايات الشبيب لا تكرر نفسها في الأسلوب أو الشكل وهي تكاد تتقارب في معظمها من حيث عدد الصفحات، وربما الكلمات. فلا تقل الرواية الواحدة عن 300 صفحة من القطع الكبير إلا في عملين فقط، وكلماتها تصل إلى ما يقل عن المئة وخمسين ألف كلمة للرواية الواحدة.. وتلك ظاهرة غريبة تحتاج إلى تحليل نفسي.. فهل هي مصادفة أن تتساوى الروايات في الفصول والصفحات والكلمات؟ يجيب طه الشبيب.. إنه لا يعرف ذلك. فهو عندما يكتب يترك لقلمه العنان لأن يجترح من الكلمات ما يشاء.. وهو يطل على عوالم غريبة يخوض في دهاليزها ليفتح مغاليقها واصفاً ومشاركاً في الحركة والتنقل بين مفاصل الأمكنة ومتغلغلاً في أعماق النفوس ليجتلب، على صفحات الورق، مكافئاً من الكلمات بما يصور المشاهد والمشاعر ومكنونات النفوس".. الملاحظة الجديرة بالانتباه هنا هي: إنه يترك لقلمه العنان لأن يجترح من الكلمات ما يشاء!!!، وفي حوار آخر يقول الشبيب بقطعية غريبة ما يلي: "الكتابة لا تعني تصنع الأشياء، تدع الأشياء تنثال وتندلق من فمك ومن قلمك كما تشاء، وكما يجدها لا وعيك، أنا أبعد وعيي كثيراً عندما أكتب، أركنه إلى غرفة صغيرة إذا جاز التعبير بجوار اللاوعي ( … ) لا أسمح لوعيي أن يتمثل".. وبالرغم من اتفاقنا معه في موضوعة التصنع فإن الحديث عن "انثيال الكلمات دون تدخل الوعي" في العمل الروائي ليس له ما يبرره بالنسبة لروايات الشبيب التي تمتاز بهندسة تقنية هي أول ما يلحظه القارئ، ففي روايته الثانية، على سبيل المثال لا الحصر، تتجلى عظمة الهندسة الروائية بأبرز صورها عندما يعمد المؤلف إلى تأسيس مدينة متكاملة ولكنها مفترضة، متكاملة من حيث الخلائق والموجودات والأسماء، ولكنها غير موجودة على أرض الواقع، وإذا كان من المفيد التذكير هنا بأنها تقنية تشبه تقنية الرواية الجديدة في أمريكا اللاتينية، ولكن الصحيح أيضاً أن رواية الشبيب تختلف اختلافاً كلياً مع تلك التقنية، فرواية الشبيب تبدو مقطوعة الصلة إلا بالرواية الافتراضية، إنه يشكل مبنى روائياً متكاملاً لا يمكن بأية حال إحالته إحالات مرجعية تقنية، ولكن من السهولة بمكان إحالته إحالة تاريخية، فرواية (الأبجدية الأولى) التي صدرت في العام 1996 في بغداد بني معمارها النهائي على قصة طاغية، قصة تذكرك كلماتها بطاغية واحد معروف ومعلوم للقارئ العراقي بوجه خاص، هذا ما نقصده بالإحالة التاريخية للنص، على أن ذلك لا يمنع من انفتاح التأويل بوجه طغاة مفترضين وواقعيين أيضاً.. غرابة الرواية في قطيعتها المعلنة مع الواقع، وكذلك مع التاريخ المعروف للبشرية، الروائي هنا ينتج تاريخاً خاصاً، مجهولاً تماماً، ولكنه تاريخ معلوم بالنسبة له: قرى، بشر، حيوانات، طقوس وأديان، أنهر، أراضي، أدوات الخ..إن هذا البناء، المرسوم بعناية كما يبدو لأي قارئ، لا يمكن أن يكون نتاجاً لا واعياً!، فهندسة البناء الروائي اليوم تعد من أعقد عمليات الكتابة الروائية، بل أنها في كثير من الأحيان تصبح مبتغى بحد ذاتها، والشبيب نفسه يصرح في أكثر من حوار بأنه يتقصد تقنيات معينة في الكتابة، ففي الحوار الآنف الذكر يقول الشبيب: "مشروعي يتضمن العفوية في الكتابة، والحرية في الوعي والحركة"، ويضيف بالقول من أن ذلك أسس له منهجاً كتابياً متخصصاً به "هذا النهج أسميه السحرية الواقعية وهو عكس الواقعية السحرية المعروفة، التي تقمصها كتاب أمريكا اللاتينية، وأقول تقمصها لأنها تعود إلى الثقافة الشرقية، لأنها تأخذ ضمن نهجها ثيمة واقعية وتحولها من مشهد إلى آخر، إلى عجينة وتعجنها، أما في السحرية الواقعية التي أزعمها، فتشتغل على العكس من ذاك. هذا النهج يأخذ ثيمة عجائبية ويوقعنها أثناء القص أي يقربها إلى الواقع إلى أن تصبح واقعاً لا مراء فيه، ولذلك يشرع القارئ وكأن هذه الرواية تدور حوله وحول المنطقة التي يعيش فيها، ويشعر أيضاً بأنه أوهم في البداية عندما وضع أما ثيمة عجيبة، غير مألوفة، تسعى لطرح المكنون الخرافي للواقع." والثيمة العجائبية التي يتحدث عنها الشبيب هنا ستجدها واضحة تماماً في روايته ما قبل الأخيرة (خاصرة الرغيف) والصادرة عام 2000.
خاصرة الرغيف رواية واقعية إذا ما أخذنا سير الشخوص وبناءها، ولكنها من جهة ثانية تضج بالثيم العجائبية انطلاقاً من سير الشخوص وبناءها أيضاً. الرواية تمثل رحلة بالباص من بغداد إلى الحدود الأردنية، وأثناء الرحلة تتداعى ذكريات الابن عن سيرة أبيه (بكران)، تلك السيرة المليئة بالأعاجيب، لقد عمل هذا ساعياً في كلية الهندسة قسم المعماري لسنوات طوال وأثناء عمله ذاك كانت له صولات أهمها رعايته لشجرة غريبة نبتت في ساحة الكلية ثم سرعان ما انتشرت في البيوت والأماكن العامة، أو لنقل في كل مكان، ويتطور حدث الشجرة الغريبة عندما تتحول إلى مصدر إزعاج بإصدارها لطنين موجع لا تجد الدولة معه غير مماشاته، بل رعايته، على أن بكران وحده من يحاول إزاحة مصدر الأزمة التي كان هو من تسبب بها، وذلك يتلخص بقلع شجراته الغريبة.. الرموز هنا مختارة بوضوح من الواقع العراقي، أو المنطقة التي يعيش فيها القارئ كما يؤكد الشبيب في حواره السالف، فبكران المواطن العراقي الأمي هو الذي وجد الشجرة الغريبة ورعاها ودعا الناس إلى رعايتها إذن، وهي ولا شك شجرة الخراب أو الطغيان، وعندما اكتشف هذا المواطن ما صنعت يداه حاول جاهداً القضاء على ذاك الصنيع، ولكن، هيهات.. فقد كان كل شيء قد فات أوانه وتعمق الخراب وانتشر في كل مكان حتى أيقن بكران أن لا حل إلا بإزالة المسبب الرئيس للخراب: لشجرة، شجرة بكران ذاته وإذا كان بكران قد أزالها من الأمكنة التي يتحكم فيها: بيته وقسم المعماري وبيوت الجيران، فكيف يزيلها من الأمكنة التي لا حول ولا قوة له فيها؟ حاول إسماع صوته لمن يهمه الأمر: رئيس الجامعة في مجتمع الرواية، فسجن بسبب ذلك، خرج من السجن بعد شهور طويلة بوساطة رئيس قسم المعماري السابق ليحاول هذه المرة الوقوف بوجه حشد المواطنين الراغبين بالهرب من طنين الشجرة إلى عالم ما وراء الحدود والذي شمل حتى ابنه البكر، ولكن دون جدوى، فالرحيل قد استحكم في النفوس!..
الرموز والإحالات الواقعية كثيرة جداً في هذه الرواية: قسم الهندسة المعمارية الذي نخرته الثقوب، ثقوب الطنين والخراب والطغيان ذاته، الرغيف الذي يقضم منه المسافر والذي صار شكله يشبه وطناُ بعينه، موجات الأغاني الحماسية التي تبثها الإذاعة والتلفزيون الرسميين، ظاهرة السفر من الوطن والتي شملت بشكل خاص الاختصاصات الأكاديمية والمواهب والكفاءات، سنوات الجلبة المقيتة والمقصود بها سنوات الحصار، الجثة التي رافقت رحلة المسافرين إلى خراج الوطن… والعديد من الظواهر التي رافقت الحصار: قيام أساتذة الجامعات ببيع السجائر على الأرصفة، عسكرة الجامعات، الأسرى وعودتهم، تهريب أو إخراج (!) الإبداع العراقي الوطني إلى خارج الحدود، الخ..
إلا أن الحديث عن تقنيات هذه الرواية شيء يختلف تماماً عن الحديث عن إحالاتها الواضحة، بل الفاضحة.. ومن تلك التقنيات: اعتماد تقنية الذاكرة في سرد حكاية الرواية، والذي يجيء هنا على لسان أبن البطل كما ذكرنا قبل قليل أثناء رحلته إلى خارج وطنه، تلك الرحلة التي ما اكتملت، ربما بسبب من عدم رضا الأب عنها، ما أضطر المسافر إلى العودة إلى بلاده بعد وصوله إلى نقطة الحدود، والرحلة هنا هي أبرز علامات البناء الروائي في خاصرة الرغيف، وخاصة تنقلات الذاكرة فيها بين أزمنة مختلفة حيث يتداخل الماضي بالحاضر برشاقة لافتة كما تبدو رموز هذه الرحلة، التي يطلق الراوي عليها: الرحلة التاريخية ، كثيرة جداً على أن نهايتها، وهي نهاية الرواية أيضاً جائت بليغة جداً عندما يقرر الأبن وأديب كان يريد العبور العودة مع الجثة التي منعها شرطة الحدود من العبور..
كما نجد غياباً كاملاً للحوار في الرواية، الحوار المعروف يغيب ليحضر بدلاً عنه تقنية جديدة تتضمن حشو حوارات أبطال الرواية بسرد الراوي، وحضور عدد من التقنيات المبتكرة في هذه الرواية، وكذا روايات الشبيب السابقة ينفي في تقديرنا الحديث السابق عن "ركن الوعي جانباً"، فالوعي هو الذي استدعى مثل هذه التقنيات المبتكرة، وستجد في روايات الشبيب الأخرى الكثير من مثل هذه التقنيات، كما أن الإحالات، والتي تحدث عنها الشبيب أيضاً فيما سبق، تشي هي الأخرى بقوة حضور للوعي، وعي يدرك تماماً المحيط الذي تتحرك في جغرافيته الرواية وشخوصها، وهو محيط خطر جداً في بلد مثل العراق أيام النظام السابق.. ولقد كان الشبيب جريئاً جداً في رواياته كما كان جريئاً عندما صرح في إحدى الصحف جواباً على سؤال: لماذا أطلقت أسم الحكاية السادسة على روايتك الجديدة، فقال: إن العنوان معاتب للقارئ، عنوان يتساءل: "إلى متى تبقى ساكناً أيها القارئ، فهذه هي الحكاية السادسة"!.. وهنا يبدو بوضوح الروح المثالية للكاتب، تلك التي تعتقد أن الرواية بمقدورها أن تغير!.
إن روايات الشبيب كانت تفترض في كل مرة الأزمنة الخاصة بها، فمن تاريخ مفترض يبدو كما لو أنه تاريخ ما قبل البشرية، إلى تاريخ يبدو كما لو أنه تاريخ مستقبلي، وإلى تاريخ يبدو وكأنه تاريخاً معاصراً، تتحرك الأزمنة فتفرض تحركاً ملازماً للأمكنة، ولكن هذا التحرك الأخير يبقى كما نزعم في حدود واحدة وثابتة، تختلف الأسماء والمسميات، تختلف الشخصيات والأحداث، يختلف البناء والمعمار والتقنية، كما تختلف تفصيلات المكان الذي يبدو ثابتاً بحضوره القوي الزاعق والمرعب أيضاً، والرعب هنا لفظة مناسبة جداً، فلا تجد واحدة من روايات الشبيب لا تحتفي بالرعب أو يكون الرعب بطلها غير المسمى.
صدر للروائي طه حامد الشبيب ست روايات، وقد صدرت كلها على نفقته الخاصة دون أي دعم من المؤسسة الثقافية العراقية السابقة، وهي ملاحظة لا نعتقدها خارج المتن أبداً، وهذه الروايات هي على التوالي: إنه الجراد عام 1995، الأبجدية الأولى عام 1996، مأتم عام 1998، الضفيرة عام 1999، خاصرة الرغيف عام 2000 والرواية السادسة عام 2001، وحين سأل عن إمكانية مواصلة نهجه في إنتاج رواية في كل عام قال "نعم، طالما هنالك قبح على هذه الأرض" مؤكداً بأنه يعمل على "مواجهة هذا القبح" والمواجهة هنا هي ما يلمسه القارئ بوضوح تام لروايات الشبيب الست.

************

·       هامش ضروري:

كنت كتبت ونشرت المقال قبيل سقوط النظام العراقي السابق، ولذلك حافظت على استخدام لغة حذرة إلى حد ما بسبب كون بطل المقال السيد طه السبيب يقيم في بغداد، ومن الملاحظ في المقال أيضاً عدم وجود الإحالات الضرورية، مثل الصحف وغيرها التي ترد إشارات لها في السياق، والسبب في هذا النقص يعود إلى أن المقال نشر في عدد من الصحف والمواقع بعد أن تم حذف تلك الإحالات، وبما أنني لا أملك النسخة الأصلية للنص فقد ضاعت هوامش المقال، مما اقتضى الاعتذار.

**********

مقالات في الشأن الثقافي