أي تمثال هوى في ساحة الفردوس ؟
استدراكات في الثقافة العراقية بعد الزلزال
يبدو مشهد الثقافة العراقية وهي تعيش سنواتها الأولى بعيداً عن الديكتاتورية مشهداً جديراً بالدراسة والبحث والتأمل بما يحمله من سلبيات وإيجابيات. ووقفتنا هذه تتقصد الوقوف على أبرز المتغيرات التي حصلت على هذا المشهد المتحرر من عديد السلطات الجائرة التي كانت تتحكم به على مدى أكثر من ثلاثة عقود بالرغم من واقع الاحتلال الذي يعيشه العراق وثقافته اليوم.
وبالعودة إلى عام سقوط النظام، 2003، يبدو مشهد سقوط تمثال الطاغية في ساحة الفردوس صياغة لسؤال جوهري مفاده: هل حقاً سقط الطاغية بسقوط تمثاله؟.. ويمثل هذا السؤال واحداً من أصعب الأسئلة العراقية المتكاثرة والمتناسلة، خاصة مع موجات العنف التي تجتاح البلاد فتشتد أحياناً وتخفت في أحيان أخرى ..
ما يعنينا هنا، ونحن نقرأ الدلالات التي يبثها مشهد سقوط تمثال ساحة الفردوس هي تلك الإحالات التي تنبثق من المشهد، وهي إحالات من الممكن أن نقرأ شظاياها هنا وهناك في الجغرافية العراقية التي ظلت ولأكثر من نصف قرن تغط في رؤية واحدة كرستها الأنظمة الشمولية والأحزاب الشمولية.. وهي جغرافية ليس فيها غير الصمت، والصوت فيها عبارة عن ترديد لمدائح الأصنام، الأصنام التي تناسلت فكان لها حضورها أيضاً في مشهد الثقافة العراقية.
إن أول التمظهرات التي تكشف عنها العهد العراقي الجديد كانت في خروج المهمشين والثانويين من أوكارهم التي احتموا فيها سنوات طويلة بعد أن حاصرتهم قوة القمع ونشاط المخبر ..خرجت الأمهات اللاتي خبئن أولادهن في سراديب المنازل لعشرين عاماً وأكثر .. ظهر الأولاد، وقد صاروا رجالاً على شاشات التلفزيون، وقد تساقطت أسنانهم بفعل التدخين والعزلة أيضاً .. وكانت الأمهات فرحات جداً بالأبناء الذين غابوا عن مقابر الموت الجماعية بالرغم من أن هؤلاء الأبناء لن يجدوا بانتظارهم فتيات جميلات يقبلن الزواج من كهولتهم البائنة ، كما كانوا يحلمون تحت المنازل !..
ومن أول التمظهرات في الثقافة العراقية تلك المجاميع الجديدة التي ظهرت في المسرح فأعلنت عن وجودها، بل وقدمت عدداً من العروض المسرحية في بغداد وشكلت فرقاً مسرحية ومجلات، وعلى سبيل المثال نذكر الانجاز الذي حققه مجموعة من الشباب بالحصول على جائزة مهمة من مهرجان مسرحي عقد مؤخراً في اليابان بمشاركة عدد كبير من الفرق العالمية علماً أن المشاركة العراقية كانت المشاركة العربية الوحيدة في هذا المهرجان وأن المسرح العراقي يشارك للمرة الأولى فيه. وينسحب الأمر على مجاميع أخرى في السينما والفنون التشكيلية والموسيقية بدأت ولأول مرة تتواجد في عواصم عربية وأجنبية مختلفة.. فيما ظهر حشد من الصحفيين الذين وجدوا في عشرات الصحف الناشئة طريقهم إلى تحقيق ما عجزوا عنه في العقود الطويلة الماضية... شعراء وقصاصون ونقاد كان المشهد الثقافي السابق يتقصد اهمالهم وتهميشهم ولكن تمثال ساحة الفردوس هوى وكان لهم أن يتنفسوا. ولا ننسى الانتخابات الحرة التي جرت في اتحاد الأدباء العراقي وفروعه في المدن العراقية المختلفة، وهي انتخابات كانت حلماً يراود المبدعين العراقيين منذ عقود.
هذه التمظهرات، وغيرها كثير، لم تكن بأية حال خالية من الاخفاق أو الخطأ، ولكن ما يميزها أولاً رغبتها في الانعتاق من أسار المرحلة السابقة بكل أحزانها وخيباتها. وهي تمظهرات، كما يبدو، تريد أن تمثل القطيعة بين عهدين متنافرين، ولكن: هل تحققت القطيعة حقاً ؟
أن قراءة أولى للمشهد الثقافي العراقي تستطيع أن تدلنا على إجابات غير كاملة لهذا السؤال.. فما تحقق في قطاعات ثقافية عراقية واسعة كان مثيراً للفرح.. ولكن التأسيس لمستقبل الثقافة العراقية شيء آخر .. شيء له علاقة بالقطيعة التي بدأت بذورها الأولى بالرغم من ضجيج التماثيل التي تصر على إعادة السؤال إلى صياغته الأولى: كيف نخلق ديكتاتوراً فنعبده ويخرج منا جمع لمحاربته ؟
وفي هذه الزحمة بدا لافتاً تبادل الأدوار الذي جرى، شعراء منفيون يعودن إلى بلادهم بعد عقود من الغربة والنفي، وآخرون يفرون منه.. وأول الفارين كان الشعراء الذين مثلوا سلطة الثقافة في العقود الأخيرة.. عبد الرزاق عبد الواحد، حميد سعيد، سامي مهدي، ساجدة الموسوي وشعراء صغاراً آخرين كانوا ينعمون أيضاً بهبات التمثال الذائع.
في الجانب الآخر كان ثمة من يتربص بالتجربة الجديدة، سعدي يوسف هو المثال الأوفر حظاً هنا، حيث يبدو سعدي في شعره وآراءه ومقالاته وحوارته خلال فترة ما بعد التحرير، النموذج الأوضح لسلطة المنفى التي تريد البقاء في متن عتيق لا يقر بتحولات العالم من حوله ... كان سعدي قاسياً وهو يشطب بتصريح سريع لجريدة يدمنها على عشرات التجارب الشعرية العراقية.. ثم يعود فيتذكر أن في العراق شاعراً أسمه رعد عبد القادر فيكتب عنه محتفياً (من سخريات القدر أن الشاعر المحتفى به يموت بعد نشر مقالة سعدي بأيام !!! ) .. وبالرغم من أن سعدي يطلب في قصائد ذائعة نجدة بريطانيا وأمريكا للعراق وأهله من ظلم الديكتاتورية الصدامية إلا أنه، وبعد هذه النجدة المتحققة في التاسع من نيسان، يعود فيصب جام غضبه لا على الدولتين العظميين لهذه النجدة فقط وإنما على أبناء جلدته فتراه لا يتردد وهو يمد عصابات الخطف والقتل "بفتاوى" تذكر بفتاوى الظلاميين إياها.(بالطبع نحن لا نتحدث عن شعر سعدي يوسف هنا، فهذا موضوع آخر تماماً لا يعني هذه الورقة).
وبعيداً عن سعدي يوسف وموقفه، ثمة من ينحت له تمثالاً جديداً يعوض به خسارته للتمثال الأكبر، ومن نماذح ذلك المقال الذي كتبه أحدهم وعنونه بالشكل الآتي: (السينما العراقية: محمد شكري جميل)، وفي الوقت الذي لا ينكر فيه متابع إسهامات محمد شكري جميل في السينما العراقية فإن الأمانة وشرف المهنة يحتمان القول أن محمد شكري جميل كان من أبرز صانعي مجد الصنم سينمائياً ، ناهيك عن أن جملة العنوان تلك تشطب بإصرار عجيب على تجارب مهمة ولافتة في السينما العراقية منذ البواكير وليس انتهاءً بجماعة السينما الجديدة المتشكلة في بغداد أخيراً وتجمع الفيل السينمائي . ولكن لماذا يصوغ كاتب ما مثل هذا العنوان المراوغ ؟ ببساطة شديدة لأن بيننا من لا يجيد سوى بناء التماثيل وعبادتها .
إن عقدة عبادة الصنم ما زالت تستأثر بنفوذ قوي عند بعض المثقفين العراقيين وللأسف الشديد، وها هي تتلبس أحدهم عندما كتب داعياً إلى إعادة الاعتبار لشعراء السلطة على اعتبار أنهم بقصائدهم وولائهم للتمثال لم يؤذوا أحداً متناسياً التقارير التي كتبوها أثناء خدمتهم لنظام البوليس السري عن المثقفين العراقيين المقيمين في المنائي والمنافي وقوائم الارتداد والتخوين التي كانت تصدر بمعونتهم وإشرافهم في بغداد ضد زملائهم المقيمين في الخارج، ومعروف تماماً أن العقوبة التي ينص عليها قانون الطاغية بالنسبة لمن يرد أسمه في تلك القوائم هو الإعدام ولا شيء سواه. من كان يكتب تلك القوائم؟ أليسوا هم أنفسهم؟ أصنام الطاغية الصغار والمتشبهين بعبقريته الدموية؟ وهل على المثقف الأجير أن يضع مسدسه على صدغ زميله الحر من أجل أن يكون الأول مجرماً في عرف كاتب المقال؟ وبالرغم من ذلك يستطيع كثيرون في مشهد الثقافة العراقية أن يؤكدوا بأن الكثير من مثقفي السلطة سابقاً كانوا لا يتوانون عن حمل مسدساتهم المهداة لهم من رأس السلطة ذاته والتلويح بها لمن لا ينسجم وشروط اللعبة القاسية السائدة تلك الأيام. أما عن ممارساتهم القمعية بحق الأدباء والفنانين العراقيين داخل العراق فهي أكثر من تعد وشهودها الكثر ما زالوا أحياء يرزقون. وكاتب المقال الذي عنونه (بالاجتثاث الثقافي) يلمح بالطبع إلى لجنة اجتثاث البعث المتشكلة بعد سقوط الصنم بسخرية، متناسياً، أو غير عارف، وتلك مصيبة حقاً، الأثر السلبي الذي تركه البعث وثقافته على وطننا العراقي.
وفي الانتقال إلى مفصل ثقافي آخر، هو المسرح في العراق، سترى أننا لا نجيد غير ترديد مدائح متواصلة بحق من قرروا منذ عقود اللعب على الحبال كافة، فهم مسرحيو الأزمنة وسدنة معبد الأبداع شئنا أم أبينا، حتى وهم يغزلون من جراحنا أوسمة للهبات التي يغنمونها في كل آن، فترى أبرزهم ينقلب من مسرح يتغنى بالتمثال إلى مسرح يتغنى بضحايا هذا التمثال!
بين هذا الهتاف وذاك التمثال ثمة مبدعون كنا شهوداً على إقصائهم زمناً بعد زمن، والكثير منا لم يحتمل دور الشاهد فطالب بأكثر من ذلك كأن صار مخبراً ضدهم أو محرضاً أو... شاعر مثل يوسف الصائغ حرمه الحزبيون من نعمهم عندما اختار البقاء في بغداد مديراً عاماً في وزارة الثقافة العراقية، وبالرغم من عمل الصائغ ذاك وما كتبه بأثر بقائه في العراق يبقى شاعراً لا يمكن تجاوزه ..أما حسب الشيخ جعفر، وهو كائن شعري له إسهامه الواضح في الحداثة الشعرية العربية فلم ينل منا غير الاهمال، لأنه لا يجيد المناورات وجلسات السمر والصعود على أكتاف المراحل كما يفعل غيره باتقان عجيب.. ثمة عبد الرحمن طهمازي مثالاً بارزاً عن سطوع الغياب والأمر ينطبق على عبد الزهرة زكي أيضاً.. وهناك في المنافي والمنائي كانت تجارب فاضل العزاوي وفوزي كريم وسركون بولص وعبد الكريم كاصد ونبيل ياسين وخالد المعالي وشاكر لعيبي وعبد القادر الجنابي وكاظم جهاد وجمال جمعة وهاشم شفيق وفاضل السلطاني ومؤيد الراوي وجليل حيدر وعيسى الياسري وعدد من الشعراء أتوا من بعدهم، زمنياً، تجتهد بعيداً عن كتلتين متنافرتين هما كتلة السلطة داخل العراق وكتلة المنفى خارجه فظلوا يناضلون من أجل أن يصل نصهم الصادق إلى القارئ العراقي الفطن. ومثال الشعراء ينطبق بالضرورة على أمثلة الثقافة العراقية الأخرى.
ما أنجزته الجهة الرسمية الكبرى في العراق، وهي وزارة الثقافة في عهد وزيرها السابق الأستاذ مفيد الجزائري، كان كبيراً والانصاف يقتضي الإشارة إليه.. لقد قامت الوزارة بتأسيس مهرجانات جديدة للمسرح والموسيقى والرسم، ومدت يدها إلى المثقف العراقي هنا وهناك، وبعد أن عقدت سلسلة لقاءات مع المثقفين العراقيين داخل العراق وخارجه عقدت لقاءاً تداولياً للمثقف العراقي هو الأوسع من نوعه.. كما قامت الوزارة بحملات إعلامية مكثفة لاستعادة الآثار العراقية المنهوبة وعملت على المباشرة بإعادة إعمار مرافق الوزارة المختلفة من قاعات للعرض التشكيلي والموسيقي والمسرحي وحاولت أن تستقطب العاملين في وزارتي الإعلام والثقافة العراقيتين المنحلتين.. وكل هذه النشاطات التي لا توصف في ظل ظرف أمني قاس سوى بالجبارة لا يمكن لها أن تكتمل إلا إذا رافقها خطة عمل رسمية وثابتة لواقع الثقافة العراقية في المستقبل، بعيداً عن الشعارات السياسية الرائجة في سوق العراق اليوم، خطة تعيد للمثقف العراقي وضعه الطبيعي في المجتمع وتنهض بدوره الحضاري والانساني والوطني.
هذا المرور السريع على عمل وزارة الثقافة العراقية له ما يوازيه على مستوى الأفراد والمؤسسات غير المرتبطة بالدولة، ومن ذلك ولادة عدد كبير من الصحف الوطنية والفضائيات العراقية وكذلك الإذاعات.. فيما قام عدد من المثقفين العراقيين بإنشاء تجمعات جديدة للأدباء والصحفيين ومنظمات أخرى للمجتمع المدني.. كما أسهم عدد من الأدباء المقيمين خارج العراق بتشكيل مؤسسات ثقافية مشتركة بين الدول التي يقيمون فيها والعراق. وتجدر الإشارة، على سبيل المثال لا الحصر، إلى قيام الكاتب فخري كريم بنقل مؤسسة المدى للثقافة والإعلام والفنون من مقرها في دمشق إلى بغداد، ومن العاصمة العراقية بدأ بإصدار يومية المدى والمطبوع الشهري كتاب المدى ويخطط اليوم لإطلاق فضائية المدى..
والسؤال هنا: هل تكفي هذه الجهود المختلفة للتخلص من ثقافة الأصنام التي ابتدأنا بها هذه الورقة ؟
إن أبرز ما يمكن تأشيره على الصعيد العراقي إجمالاً اليوم هو ذلك البروز القوي للتيارات الدينية، الإسلامية، المتطرفة، والتي ظهرت إلى السطح بعد سنوات من محاولات النظام السابق تدجينها ففاجئت بحضورها القوي المتابعين بعد سقوط النظام. وإن أخطر ما في تلك التيارات هو لاتسامحها وارتكازها إلى منظومات فقهية تكفيرية من المؤكد أن القطاع الثقافي هو أول القطاعات التي تضررت منها وبسببها . وقد أنتجت التيارات الدينية الجديدة تلك أصنامها المستدعاة من التاريخ الإسلامي أو تلك المعاصرة وهي بالنتيجة أصنام لا تختلف كثيراً عن صنم ساحة الفردوس كثيراً، وبالطبع فإن تلك الأصنام تحاول تحجيم قامة المثقف العراقي ودوره المجتمعي خاصة وأن هذا المثقف لا يمتلك ما تمتلكه تلك الأصنام من أتباع ومريدين وأسلحة أيضاً، وهكذا بدا من اليسر ملاحظة ذلك الانكفاء المفجع للمثقف العراقي ما دام عرضة يومية للاغتيال في أبسط تعبير، بل أن عدد المثقفين الذين طالتهم يد الاغتيال قد بدأ يرتفع يوماً بعد يوم ومن المفيد هنا استذكار الشهداء الناقد قاسم عبد الأمير عجام مدير عام دار الشؤون الثقافية العامة والشاعر الشاب أحمد آدم مراسل جريدة المدى والفنان التشكيلي الرائد عبد الأمير حمد، والذين تم اغتيالهم بطريقة درامية مرتبة للغاية ما يدعو للقول أن اغتيالهم لم يكن عفواً أو سهواً وإنما كان في سياق الجرائم الإرهابية التي تتقصد العقل الوطني العراقي..
وعلى الرغم من اتفاقنا حول ما تنعم به الثقافة العراقية اليوم من حرية بالقياس لما كانت عليه خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بل بالقياس لما يعيشه المثقفون العرب في دول ليست بعيدة عن العراق، فإننا نتفق أيضاً على ظهور مقيدات جديدة لحرية المثقف العراقي بعد التاسع من نيسان. ومن الجدير بالذكر هنا إن بعض هذه المقيدات قديم نسبياً، مثل المقيد الديني، على أنه في العامين المنصرمين صار متطرفاً للغاية وهو يضع شروطه المجحفة والقاسية لنمط الحياة العراقية عامة وليس حياة المثقف فحسب. لقد نزل المتطرفون الدينيون إلى الشوارع متنعمين هم أيضاً بالحرية الجديدة في العراق ولكنهم حولوا حريتهم الوليدة إلى سلاح صارم بوجه قطاعات واسعة من الشعب، فاغتالوا في عمليات جبانة العديد من النخب الوطنية ولم يسلم من أذاهم حتى الحلاقون وأصحاب المهن الحرفية الصغيرة ! وكم كان مشهداً مؤلماً ذلك الذي ظهر فيه واحد من شيوخ التطرف الجدد في فيلم تلفزيوني وهو يلقي بخطبة مليئة بالمغالطات في مدينة السماوة الجنوبية الفقيرة، إذ ظهر الشيخ حاملاً بندقية بيد وبالأخرى يرفع إشارات الوعيد والويل والثبور. يبدو ذلك بمثابة صياغة ديكتاتورية جيدة، ديكتاتورية كانت الديكتاتورية الصدامية قد حولتها إلى ضحية طيلة عقود، ولكن وبمجرد سقوط صنم ساحة الفردوس صار الضحية ديكتاتوراً جديداً وبدأ يوزع الموت على الآخرين.
ويبدو العراق، حسب تقارير أبرز المنظمات الصحفية العاملة، في مقدمة الدول التي يكون الصحفيون فيها عرضة للقتل بسبب ظروف الحرب المستمرة على الإرهاب والإرهاب نفسه. وقد قتل في العراق حقاً عدد كبير من الصحفيين العراقيين والعرب والأجانب. واستهدف الإرهابيون في عمليات إجرامية خسيسة عدداً من المثقفين والصحفيين العراقيين وأساتذة الجامعات والأطباء وكوادر أخرى من النخب الوطنية المختلفة.
وعلى الجانب الآخر فقد اعتقلت قوات التحالف في فترات مختلفة عدداً من المثقفين العراقيين بدون تهم واضحة، وكان أبرزهم القاص والمترجم محسن الخفاجي والذي ما زال سجيناً في معتقل بوكا جنوب العراق دون أن يتمكن أحد ما من معرفة تهمته أو مصيره بالرغم من المناشدات المستمرة لإطلاق سراحه أو على الأقل بيان تهمته.
أما من ناحية الحكومة العراقية، المؤقتة والمنتخبة، فلم يسجل عليها شيء مهم في ملف ملاحقة المثقف العراقي أو محاولة تكميم صوته كما هو عهد الأنظمة السابقة، وهي بادرة حسنة على المثقف أن يبادر لاستثمارها بما يبعده مسافة عن فخ الوقوع في شراك السلطة وتابعيتها من جهة ومن جهة ثانية من أجل إقامة حوار حضاري جديد بين المثقف والسلطة يختلف بالضرورة عن سيرة المتراكم في هذا الخصوص.
ونعتقد بإخلاص في هذا السياق، إن مطالبة بعض المثقفين العراقيين بدور ما في العراق الجديد تعد من قبيل المراهقة الفكرية لأن المثقف لا يستجدي دوره بل يصنعه هو، وهي قضية بديهية في العالم كله ولن يشذ العراق عنها.
ومن أبرز الثنائيات الجديدة في الثقافة العراقية اليوم بعد ثنائية (الداخل -الخارج) تقع ثنائية (المقاومة- التحرير) وتفاعلاتها. ولقد وجدت أثناء متابعة مستمرة ومكثفة للصحافة العراقية، وكذا مواقع النت العراقية، أن نسبة عالية جداً من المثقفين العراقيين يعدون ما حصل في التاسع من نيسان ميلاداً لحرية العراق فيما يكرر قلة آخرون أن ذلك بمثابة سقوط للوطن وحضارته. وبعيداً عن دوافع الفريقين في تبني أي من وجهتي النظر السالفتين فإن الثابت هو حرية الجدال في الثقافة العراقية اليوم وهو جدال ليس فيه محرمات كما هو واضح من سير هذه الثنائية الحساسة، على أن ثمة ثنائيات أخرى بحاجة إلى مزيد من الجدال والنقاش وإن بدا النقاش فيهما حالياً يسوده الكثير من الخجل، مثل ثنائية: الطائفية والوطنية.
***
أي تمثال هوى في ساحة الفردوس؟
هذا هو السؤال...
فمن المؤلم حقاً أن يتحول ضحايا التمثال الصدامي إلى تماثيل جديدة تسوق اناس الموت الزوؤام بسبب خلاف حول فكرة أو ما شابه، وهذا بالضبط ما تفعله العديد من الأحزاب العراقية العاملة والتي أنشأت لها مكاتب سيئة السمعة، مثل مكاتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو تلك الشخصيات اللابسة رداء الدين وهي تصرح علناً بإمكانية إقامة دولة إسلامية في العراق على غرار دولة الطابان سيئة السمعة والصيت، متجازوزين ما عرف عن العراقيين من تنوع ديني ومذهبي ناهيك عن كون الشخصية العراقية بحد ذاتها تعد من الشخصيات الحيوية والبعيدة عن التطرف الديني.
وفي الحقيقة فإن من أبرز ما يمكننا فعله لتجنب قيام ديكتاتوريات جديدة في العراق، بالإضافة لما يمكن أن يتضمنه الدستور المرتقب، يكمن في إنشاء المزيد من الروابط والجمعيات والمنتديات الثقافية غير الرسمية، تلك التي تأخذ على عاتقها مهمة مراقبة العملية السياسية في العراق وتقويمها ما أمكن، وكذلك بالعمل المستمر على إشاعة ثقافة الحوار بديلاً عن أي ثقافة أخرى، ولا ننسى الدور الرائد الذي من الممكن أن تلعبه تلك التجمعات في تنوير الرأي العام العراقي بأهمية النظام التعددي في الحياة السياسية والثقافية العراقية. وبالطبع فإن إنشاء تلك الجمعيات والروابط يجب أن لا يكون مرتبطاً بجهة حزبية أو دينية ما من تلك التي تتسيد الساحة السياسية والإعلامية في العراق، بل عليها أن تمثل كيانات فكرية جديدة تلم عندها النخب الوطنية العراقية بهدف صياغة مشاريع وطنية مستقلة، حتى وإن كانت هذه المشاريع غير ملزمة، بعدياً عن السعار الطائفي والمناكدات المتفرعة عنه.
لعل من أبرز إفرازات حقبة الديكتاتورية السلبية تمثل بفقدان المتابع العراقي للثقة بمحطات الإعلام الوطنية ودور النشر والصحافة وما إليه، ولإقامة جسور جديدة من التواصل مع المتابع علينا البدء في تأسيس نظام اتصالية جيدة تعمل على كسب ثقة العراقيين، ولا يحدث ذلك إلا من خلال التنوع في مصادر المعلومات وبذل الكثير من الدعم للمؤسسات الإعلامية المستقلة أو غير المستقلة، كما تبدو الحاجة ملحة فعلاً لمشروع عراقي محترم يعيد للكتاب العراقي هيبته وثقة القراء به.
علينا الإقرار بأننا نشهد اليوم الكثير من التماثيل التي عادت وانزرعت في رؤوس العراقيين، وإذا كنا نطمح لمحو هذه التماثيل مرة وإلى الأبد من ذاكرتنا، فإننا بالمقابل مطالبين اليوم وأكثر من أي وقت بحمل معاولنا وتهديم تلك التماثيل بأنفسنا ودون انتظار لأن يقوم الأصدقاء بهدم تلك التماثيل، فلقد قام أولئك الأصدقاء بتحطيم أكبر تماثيلنا مشكورين وعلينا نحن أن نقوم بتحطيم المتبقي منها، من أجل صياغة وإنضاج المشروع الوطني العراقي الجديد، ذلك المشروع القائم على بناء عراق تعددي ديمقراطي لا فضل لأحد على أحد فيه، عراق يعيد إلينا إحساسنا بالمواطنة، أو نرجع إليه معززين مكرمين، وليس ذلك بالكثير عليه، وعلينا.
***