في رثاء الصديق ستيفن فنسنت
وستيفن فنسنت هذا واحد من مجانين العصر، اعتقد أن بإمكانه أن يسهم في صياغة زمن بلا عنف فكان ضحيته بعد أن رأى بعينيه مأساة 11 سبتمبر، ومن بعدها تكاثر برك الدم والأشلاء المتناثرة في عراق ما بعد التحرير الذي دعا إليه وعمل على دعمه بكل ما أوتي من قوة وعلم.
إنه واحد من أبرز مجانين العصر الحالمين، وجد مقتولاً في مدينة يفترض أنها مدينة العصور والأحلام، هي مدينة البصرة التي عرفت برحلات السندباد البحري وقصص ألف ليلة وليلة ومعركة الجمل وصولاً إلى بدر شاكر السياب وحرب الثماني سنوات ثم ثغر العراق في حرب التحرير عام 2003 .
عمل فينسنت في العراق عدة مرات خلال العامين الماضيين حيث كان يكتب لعدة صحف، بينها «نيويورك تايمز» و«كريستيان ساينس مونيتور». كما ألف كتابا بعنوان «إن ذا ريد زون» (في المنطقة الحمراء)، والذي يعد مرجعا مهماً في وصف عراق ما بعد صدام حسين. كان فنيست، الصحفي والكاتب الأمريكي الذي قطع المسافات لتغطية الحدث العراقي يتنكر بلباس عربي وهو يتنقل من مدينة عراقية إلى أخرى قبل ان يستقر في البصرة قبل نحو شهرين من مقتله. في رحلاته المكوكية تلك كان صديقاً للعراقيين، يجتهد في رسم صورة التغيير كما تخيلها أكثر المؤمنين بالحرية الشخصية في العالم، هكذا كان يطالب الصحف الأمريكية الكبرى بتغيير وصفها للوجود الأمريكي بالعراق من صيغة الاحتلال إلى صيغة التحرير، وقد كان لمس خلال وجوده في العراق بعد الحرب الأثر البليغ الذي تخلقه الحرية في حياة الشعب. كما أنه كان يدرك جيداً أن الأنظمة الديكتاتورية، ونظام صدام على رأسها، لا تمثل خطراً على الشعوب التي تعيش تحت وطأتها فحسب وإنما تمثل خطراً على العالم أجمع، ومن ذلك كان موقفه المؤيد لإسقاط الديكتاتورية وتحرير الشعب العراقي.
ولكي يتفادى الكثير من العوائق المحلية ناهيك عن فرق الإرهاب الوافد والمستقر في العراق بالإضافة إلى رغبته في تلمس معاناة الناس عن كثب فقد تنكر ستيفن في ملابس حاج شيعي لزيارة الأماكن المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء ، وتصادف وجوده هناك مع حدوث ستة انفجارات كان يقف وراءها تنظيم أبو مصعب الزرقاوي الإرهابي، فسجل ستيفن مشاهداته عنها في كتاباته ومقابلاته، وكتب عن تلك الجرائم وغيرها في الصحف الأمريكية باعتبارها جرائم لا تقل خطورة ومأساوية عن جريمة سبتمبر، فكان قلمه ومقالاته شاهد العيان عن المجازر التي ترتكب ضد ابناء شعبنا من قبل الجماعات الإرهابية التي تتستر برداء الدين الإسلامي. كانت التفجيرات التي تحصل في المدن الشيعية المقدسة تمثل تعبيراً عن حرب من نوع آخر، حرب إرهابية أيضاً ولكنها موجهة هذه المرة إلى شركاء في المعتقد والعبادة هم الشيعة في العراق، ولعل هذا ما دعى ستيفن فنست إلى ارتداء قميص أسود يحمل صورة إمام الشيعة وسبط الرسول الأعظم الحسين بن علي(عليهم السلام)، ويضع حول رقبته مسبحة حسينية من تلك التي يحرص علماء وعوام الشيعة على السواء على حملها بين أياديهم، واختار البصرة لمراقباته الجديدة ومشروعه المتمثل بتأليف كتاب عنها. في البصرة، مدينة التآخي عبر القرون، كانت التيارات الشيعية المتطرفة هذه المرة من يقف له بالمرصاد بعد أن فضح تسترها بالدين والمذهب لتحقيق غايات ومنافع لا تمس المواطن البصري بصلة، وكانت تقاريره التي تشير إلى تضاؤل الحريات الشخصية في البصرة أمام المد الأصولي والسلفي والتكفيري قد كشفت الوجه القبيح للكثير من التيارات الشيعية التي كانت تعاني من الاضطهاد طيلة عقود، بل قرون طويلة، وتحولت من موقف الذي يقع عليه الظلم إلى موقف الظالم والديكتاتور. وفي آخر المطاف وجد السيد فنسنت مقتولاً في أحد شوارع البصرة وجواره مترجمته العراقية بحال خطرة، مشهد يذكر تماماً بقصص الشطار والعيارين وسراق الخانات البصرية في كتب التراث.
وفي سيرته المنشورة بعد مقتله تجد الكثير من الملامح عن الصحفي الذي يترك حياته الشخصية وراء ظهره من أجل البحث عن الحقيقة في وطن تكتنفه الألغاز والمقابر والسيارات المفخخة والتيارات الفكرية المتناقضة، وهي رحلة لم يكن هدفها الأساس غير نصرة شعب خذلته الديكتاتوريات المتعاقبة، ويخذله اليوم وافدون ومقيمون تغلبت مصالحهم الشخصية على مصالح الشعب وأعماهم حقدهم الأسود عن رؤية الفرح والبسمة في وجوه الأطفال فحولولها إلى وجوه متفحمة في أكثر من مكان ومناسبة.
رحيل فنسنت خسارة كبرى للعراق، تماماً مثل خسارات هذا الوطن بالكثير من الأصدقاء والأبناء الذين سقطوا على مذبح الحرية وهم يدافعون عن فكرة الوطن الحر الذي يعيش فيه الجميع سواسية، ولكل من أبناء الوطن الواحد فيه الحق في ممارسة شعائره الدينية بعيداً عن التطرف والتحريض على العنف والكراهية. وإذا كنا خسرنا، ونخسر، الكثير من الأصدقاء بسبب هجمة التخلف والسلفية على بلدنا فما أحوجنا إلى تكريم هذه الشخصيات النبيلة، وعلى رأسهم صاحب المؤلفات والمقالات العديدة التي تعنى بنصرة العراق وأهله السيد ستيفن فنسنت، وهي دعوة مخلصة للأصدقاء المترجمين لكي يبادروا إلى ترجمة كتابه السابق ذكره ونشره بالعربية، والأمر ينطبق على مقالاته التي كان يكتبها من العراق وإصدارها في كتاب منفصل، ولعلني لا أغالي إذا ما طالبت الأصدقاء من مثقفي مدينة البصرة بأن يأخذوا على عاتقهم إقامة ندوة استذكارية لهذا الرجل الذي وقف في الخط الأمامي مدافعاً عن حرياتهم في الفكر والكتابة والاختلاف فلقي مصرعه شهيداً للكلمة.
******
المقال المميت!

ستيفن فنسنت بزي واحد من أبناء مدينة البصرة
هذا هو نص المقال المميت الذي نشره فنسنت في جريدة نيويورك تايمز الأمريكية، وقد وجدته بهذه الترجمة على موقع الملف نت:
العراق – البصرة
يصفها البريطانيون بأنها "مفتوحة" .. حالة من معنويات عالية واستعداد مشابه لما يعتقد الاميركيون بأنه موقف "حماسي". وخلال الأيام العشرة التي أمضيتها مؤخرا مرافقا للقوة متعددة الجنسيات التي تقودها بريطانيا في هذه المدينة العراقية الجنوبية قابلت العديد من الجنود المستعدين والمتحمسين الذين يشاركون فيما يدعوه البريطانيون "إصلاح القطاع الأمني" وهو جهد للحفاظ على السلام في وقت يتم فيه تدريب العراقيين على معالجة شؤونهم الشرطية والأمنية.
فإصلاح القطاع الأمني هو مسألة جوهرية بالنسبة لسياسة الخروج البريطاني الاميركي كما يصفها ضابط بريطاني "كلما أسرع المواطنون المحليون في تولي مسؤولية أمنهم كلما أسرعنا في الانسحاب الى الوطن".
ومن هذا المنظور تبدو الاستراتيجية ناجحة وخاصة فيما يتعلق بضباط الشرطة في المدينة الذين يثبتون كفاءتهم في تمارين شاقة وفي أساليب براعة التهديف والاعتقال المناسب على أيدي مدربين أجانب.
وبالإضافة إلى ذلك فإن رواتب الشرطة آخذة في الارتفاع كما يحصلون على سيارات دوريات جديدة تلمع ويرتدي العديد منهم أزياء رياضية رسمية باهظة الثمن والجميل في الامر ان العديد من هؤلاء الضباط العراقيين الجدد بيدون "مستعدين" ولسان حالهم الذي دائما ما يكررونه "نريد ان نخدم الوطن".
مع ذلك , ومن وجهة نظر اخرى , فإن اصلاح القطاع الامني , والذي كان الهدف منه خدمة الناس , قد فشل فشلا ذريعا .
فالعراقيون العاديون يريدون ببساطة تسيير امور حياتهم في صورة اعتيادية. وكما ذكر على نطاق واسع مؤخرا فإن الحياة السياسية , والحياة اليومية , اصبحت خاضعة بشكل متزايد لسيطرة المجموعات الدينية الشيعية بدءا من المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق الذي يعد الاتجاه السائد نسبيا مرورا الى اتباع ومقاتلي رجل الدين المتمرد مقتدى الصدر.
ولان المجندين هم من نفس السكان غير المتعلمين والرجال الذين تتفشى في صفوفهم البطالة وينتشرون في صفوف هذه التنظيمات فإن العديد من ضباط الصف في شرطة البصرة يحتفظون بولاءات مزدوجة ل"الحسينية" والدولة.
وفي أيار الماضي صرح قائد شرطة المدينة لصحيفة بريطانية بأن نصف عدد قوات الشرطة والبالغ 7000 رجل منتسبون الى احزاب دينية. ويبدو هذا تقديرا متفائلا : إذ ابلغني عراقي ان"75% من رجال الشرطة الذين اعرفهم هم مع مقتدى الصدر إذ انه رجل عظيم".
ولسوء الحظ يبدو ان البريطانيين غير قادرين أو غير راغبين في عمل أي شيء حيال هذا الامر.
ولا يغيب عن بال سكان البصرة حقيقة ان البريطانيين هم في واقع الامر يعززون من قبضة التنظيمات الشيعية.
وأبلغني صحفي عراقي بان"لا احد يثق في الشرطة"واذا ما حرك آيات الله الجدد اصابعهم فإن الآلاف من رجال الشرطة سوف يقفزون استعدادا في الحال".
كما ابلغني مفيد المشعشعي وهو زعيم تنظيم ليبرالي سياسي يسمى ثورة الشعبانية انه يشعر بانه يجب حل قوات الشرطة واستبدالها بأناس ملمين بحقوق الانسان والديموقراطية".
ولسوء الطالع هذا ما لا يفعله البريطانيون. وخشية من ان يظهروا بمظهر المحتلين الاستعماريين فانهم يتجنبون أي تلميح ذي تلقين ايديولوجي : وخلال الفترة التي امضيتها معهم لم أر ولو لمرة واحدة مدربا يشرح اسس الديموقراطية باعتبار انها تضطلع بالدور السياسي المحايد للشرطة في مجتمع مدني. كما انني لم أر أي شخص يتساءل عن عدد اللافتات الدينية المتزايد والملصقة على اسوار مراكز الشرطة في البصرة .
وعندما سألت جنودا بريطانيين ما اذا كانت استراتيجية اصلاح القطاع الامني تتضمن إجراءات لتشجيع الافراد على الاقتران بالحكومة المحلية بدلا من حسينية الحي , تلقيت صدودا مؤدبا "إنها ليست وظيفتنا يا صديق".
النتائج واضحة , ففي جامعة المدينة على سبيل المثال يقوم مراقبون معينون ذاتيا بدوريات في حرم الجامعة لضمان ان ملابس النساء وزينتهم اسلامية .
وقال لي احد اداريي الجامعة "تحذوني رغبة في ان القي يهم الى الخارج ولكن من سيفعلها؟" إذ ان معظم افراد الشرطة ينتمون الى الاحزاب الدينية ذاتها التي ينتمي اليها المراقبون.
وعلى قدر مشابه , قال لي مدير مستشفى الولادة في البصرة محمد ناصر إنه كثيرا ما يمسك بموظفين وهم يسرقون معدات لبيعها الى مستشفيات خاصة لكنه يتردد في الاستنجاد بالشرطة. ويضيف "كيف لي ان أعرف الى أي حزب ديني ينتمون وما هي صلتهم السياسية باللصوص؟"
وانه لامر مزعج بان نرى ان التوتر الطائفي آخد في الازدياد في البصرة التي لطالما اعتبرت النقطة المضيئة في "العراق المحرر".
وتساءل جمال خزعل مكي , رئيس فرع البصرة في الحزب الاسلامي ذي الاغلبية السنية " هل تستخدم الشرطة لاهداف سياسية فهي تعتقل الناس وتحتجزهم حتى إذا أمرت المحاكم بإطلاق سراحهم وفي الوقت نفسه فإن الشرطة نادرا ما تعتقل أي شخص ينتمي الى حزب ديني شيعي".
وأكد لي ضابط شرطة عراقي , ولاسباب واضحة طلب عدم الكشف عن اسمه , ان الشائعات المنتشرة على نطاق واسع بان عددا من افراد الشرطة ينفذون المئات من عمليات الاغتيالات – غالبا ما تكون الاهداف اعضاء سابقين في حزب البعث وتحدث في البصرة شهريا.
وأضاف"هناك سيارة اعدام من نوع تويوتا مارك 2 تجوب شوارع المدينة وعلى متنها ضباط شرطة مجازون من الوظيفة ويتلقون أجورا من جماعات دينية متطرفة نظير مهمتهم التالية".
في غضون ذلك , يقف البريطانيون على مرأى من الفوضى المتنامية رافضين الطعن بالانطباع الذي تركه الاسلاميون في قلوب وعقول الشرطة الامر الذي يغضب الكثيرين من أهل البصرة .
وأخبرني الضابط "أن البريطانيين يعرفون ماذا يحدث لكنهم نائمون ! ويدعون أنهم يستطيعون ارساء دعائم الامن والديموقراطية خلفهم بسهولة ولكن وقبل ان تتجذر مثل هكذا حكومة هنا علينا ان نشهد تحولا كبيرا في عقولنا".
وبعبارات أخرى فإن الاصلاح الامني الحقيقي يتطلب تدريبا نفسيا وجسديا على حد سواء. وإذا لم يدخل البريطانيون في استراتيجيتهم للإصلاح الأمني بعض الدروس الأساسية في المبادئ الديموقراطية فإن البصرة ستواجه خطر الوقوع فريسة اسلاميين متطرفين وضباط شرطة مدربين على يد الغرب.
*********************************
*ستيفن فينسنت مؤلف كتاب "في المنطقة الحمراء: رحلة في روح العراق" وكان بصدد تأليف كتاب عن البصرة قبل ان يتم اغتياله.