حديث الواق واق

1.

اعتباراً من هذا الأسبوع سأكون واحداً من أسرة (آبسو) بعد أن شرفني الشاعر يحيى البطاط بهذه المهمة التي أتمنى مخلصاً أن أكون أهلاً لها ..

ولانها أول إطلالتي في هذه الزاوية، وليست الأولى في الموقع، فسأقول أولاً أنني اكتشفت أن الواق واق التي كثيراً ما نتداولها على أنها أقصى الأقاصي موجودة بالفعل، وأول من نبهني إلى ذلك هو الصديق القاص والمترجم العراقي عبد الجبار ناصر.. وملخص الحكاية أن ناصر المقيم في سدني زارني في ولاية جنوب أستراليا حيث أقيم منذ سنوات قاطعاً الطريق البري بيننا وبينهم ليتمتع بالمناظر الخلابة التي يمر بها، كما قال لي، فمر في طريقه على ولاية تدعى (واكا واكا) وقد تفكر صاحبي في أمر الولاية الصغيرة هذه وقال حاسماً أنها الواق واق ما غيرها بعد أن شرب ثلاث كؤوس من العرق كنت حملتها معي من عمان إلى أستراليا، مؤكداً أنها هي تلك التي نضرب فيها المثل على بعدها، ووجدتني أتفكر أنا الآخر في هذا الأمر، ثم تسنى لي الأمر أن أسافر إلى سدني  مرتين أو ثلاث ما يعني أنني سأمر على الواق واق أنا أيضاً، وقد مررت فعلاً وقرأت اليافطة التعبة ذاتها في مدخل المدينة، والتي قرأها عبد الجبار ناصر... وإذن، فلقد صرت أعيش في الواق واق دون أن أدري .والموضوع قابل للتصديق إذا ما تذكرنا أن قارة أستراليا هي نتاج اكتشاف حصل قبل قرنين أو أكثر قليلاً من الزمان فيما أسطورة الواق واق التي نتداولها أقدم من ذلك بكثير، فالمرجح عندي أن الناس تضرب بها المثل لأنها بعيدة حقا ً (قبل اكتشاف أستراليا) ولم يكن أحد يتوقع أن المخلوق الانساني سيصل إليها يوماً ما ..

ولأنني أعيش في الواق واق صارت الأخبار تأتيني بالسماع!، بمعنى أنني اتابع أخبار بلدي وأهلي وناسي وأصحابي من خلال رسائل مقتضبة عن طريق الأنترنت، تلك النعمة الكبرى، بعد غياب أو انقراض الرسائل المكتوبة، والذي يسمع ليس كالذي يعيش، ولهذا أسميت هذه الاطلالة الأسبوعية بحديث الواق واق، فهي تعتمد على ما أسمعه وأقرأه أو أشاهده عبر التلفزيون، خاصة ما يتعلق بالحدث العراقي المتجدد على الدوام .

أما آخر ما قرأت فكان أخباراً متفرقة عن مسلسلات تلفزيونية وأفلام سينمائية وأغنيات تنتج داخل العراق، وهو بالمناسبة العراق نفسه الذي تشغلنا الفضائيات بقنابله ويشغلنا المحللون الستراتيجيون بمقاوماته التي تفجر أنابيب النفط ومراكز الشرطة الوطنية... ولقد عجبت لأمر هذا الفنان العراقي الذي يغامر بحياته في ظل صور الفضائيات الكارثية من أجل أن يقدم لناسه مسلسلاً تلفزيونياً جديداً ..هكذا قررت أن يكون هؤلاء هم مادة هذه الزاوية .. كل الذين يبدعون للوطن العراقي غير آبهين بزعيق القنابل ونهيق المحللين .. أفلا يستحق هؤلاء أن نشير إليهم، مجرد إشارة يتيمة في عالم الموت الذي يعيشون ولا نعيشه؟

ويما أن للحديث صلة، فسوف أختم بشكر مباردة الاخ الشاعر يحيى البطاط، والشكر موصول لجميع المواقع التي تعنى بإظهار الوجه الجميل للوطن العراقي غير آبهة بالعنتريات والبطولات الفارغة، فما يبقى أخيراً بطولة الإنسان، الإنسان العراقي في هذه اللحظة الحرجة، وليس بطولة الخراب..

 *******************

 

2. مهرجان السلام المسرحي

 

الاصرار على إقامة مهرجان للمسرح في العراق اليوم يمثل إنجازاً كبيراً، وذلك لسبب بسيط هو: العامل الأمني المتراجع بقوة في البلد آملين عكس ذلك.. ولكن نجاح مهرجان مسرحي سابق ، كانت وزارة الثقافة العراقية اقامته قبل شهور، يشجع على المضي قدماً في مغامرة المسرح... وليس الاصرار وحده هو ما يلفت الانتباه هنا  بل في عنوان المهرجان، حيث اختارت نقابة المسرحيين العراقيين لمهرجانها المسرحي الأول عنوان: مهرجان السلام المسرحي، وبادرت إلى الذهاب إلى الجد جلجامش من أجل أن تستعير من نصه الذائع جملة تدعو إلى المحبة أولاً وثانيا ًوثالثاً وثبتتها شعاراً له ... أنظروا إلى المفردات الجديدة في ثقافة العراق: السلام والمحبة .. وكانت مهرجاناتنا تدعو إلى النصر المؤزر على الأعداء (أي أعداء ؟؟؟؟) ..

إذن هو مهرجان جديد في أفق الحرية الجديدة، وقد قرأت أن عدداً من الفرق والتجمعات المسرحية قد أنجزت أعمالها للمشاركة فيه، كما أن النقابة سمت لجانها المختلفة، ولم تنس لجنة النقد التي أعتقد أنها من أهم لجان أي مهرجان مسرحي، وهنا أود الإشارة إلى أن المهرجانات المسرحية العراقية كانت حريصة دائماً على أن يكون للنقد فسحة وهي ميزة عراقية محترمة .

الفنان شفيق المهدي، نقيب المسرحيين العراقيين ومدير المهرجان، ليس سوى واحد من الأسرة المسرحية في العراق، وهذا عامل مهم سيسهم بالتأكيد في دعم جهود المهرجان، وبما أن المهدي صاحب رؤية تجريبية في المسرح عبر عدد من الأعمال التي قدمها مخرجاً، كما أنه رجل اختصاص أكاديمي، فهذا يعني أن مهرجان السلام سيحاول أن يفلت من الكثيرمن  الكليشيهات ، كليشيهات الشكل الفج أو الخطابة الرنانة، ولقد حان الوقت حقاً ليتخلص مسرحنا من هذه الإشكالية الخطيرة، حيث يعتقد كثيرون، خطئاً، أن المسرح الحقيقي هو أما تهويمات شكلية فجة  وخالية من المضمون الدلالي، أو مجرد بكائيات وخطب رنانة، ولقد سقط في هذا الفخ الاشكالي مخرجون كبار، وصغار على حد السواء ..

وإذ تضطلع نقابة المسرحيين العراقيين بمهمة إقامة مهرجانها الأول، فهو فأل خير سنجني فوائده في الدوارات اللاحقة. إن جهد وزارة الثقافة  ومؤسساتها المعنية  بالمسرح هو جهد أساسي بالتأكيد، ولكن جهداً تقدمه نقابة المسرحيين يخرجها من رتابة الإدارة ومهمة إصدار هويات الأعضاء إلى مهمة أكثر تعقيداً تتلخص بقدرتها على الإسهام في صنع ثقافة مسرحية عراقية، وبالتالي فهي مهيئة، بسبب كثرة عناصرها واختلاف اختصاصاتهم، على أن تلعب دوراً كبيراً في حراك المسرح العراقي ونقله من مراحل المراوحة في الشكل والمضمون التجريبي إلى مراحل أكثر خصوبة تلك التي تشهد ولادة تجارب قد تؤسس لتيارات مسرحية .

مهرجان السلام المسرحي الأول يمثل بارقة أمل... أدعو له بالنجاح متمنياً، ولا أملك غير التمني، أن تتضافر الجهود كلها لإنجاحه.

 

 

3. دار الشؤون الثقافية العامة

 تاريخ دار الشؤون الثقافية العامة في العراق تاريخ قديم وحافل بالرغم من المشاكل العديدة التي عانت منها في العقود الأخيرة بسبب من هيمنة أفكار السلطة السابقة  حول الثقافة والاعلام، فطبعت مثلاً بمجلدات ضخمة: سيرة القائد الضرورة وخطبه ورؤاه الستراتيجية وما إلى ذلك من(خرط) غير موضوعي ... وإلى جانب ذلك الاشتغال فقد اضطلعت الدار نفسها بنشر نتاجات عراقية وعربية وأجنبية مختلفة، وإن كانت شحيحة إلى حد ما، ولكنها، وبجهود البعض من العاملين في الدار من المخلصين للثقافة العراقية، استطاعت أن تحافظ لنفسها على موقع من الرصانة، وإن ظل دون مستوى الطموح دائماً .

اليوم اختلف الأمر كلياً .. خرجت دار ااشؤون الثقافية العامة من جبة السلطة لصالح رداء الثقافة الكبير، وهو ما كان يمثل الطموح .. وبالرغم من مأساة استهداف مديرها العام بعد أيام من تسنمه لمنصبه، حيث استهدف ملثموا عصور التخلف الناقد قاسم عبد الأمير عجام وولده فاستشهد في الحال فيما حالة ولده تجاوزت اليوم مرحلة الخطر، نقول بالرغم من هذه الجريمة النكراء إلا أن وعود الدار تبشر بالخير حقاً .
أول الغيث كان مواصلة إصدار بعض المجلات الثقافية المهمة: الأقلام نموذجاً، ومجلة الأقلام كانت واحة الفكر والثقافة العراقية بالرغم مما قلناه في أول هذه الورقة، ولقد جاء قرار مواصلة اصدارها بتقديرنا قراراً صائباً بالفعل وهي باشرت الصدور حيث خصصت أحد أعدادها الأخيرة لاشكالية الثقافة العراقية في زمن الطغاة في مسعى على ما يبدو لإزالة ما التبس في تلك المرحلة الكارثية من عمر العراق، وها هي تواصل العمل اليوم من أجل رسم وجه آخر للثقافة العراقية  كما تتواصل مجلات أخرى أهمها مجلة: الثقافة الأجنبية المخصصة لترجمة الآداب والفنون غير العربية إلى اللغة العربية.. ولم تنس الدار مشروعها الأهم وهو المباشرة بطبع نتاج الأديب العراقي الذي عانى الأمرين في العقود السابقة: حصار داخلي منع نتاجه من الظهور وحصار عنيف من قبل دور النشر العربية التي تنشر وفق تصورات تجارية بحتة وفي أحيان تصورات سياسية ضيقة.. ولقد شهد العام الحالي أول مشاركة حرة لدار الشؤون الثقافية العراقية في مهرجان فرانكفورت للكتاب العلمي، وهي أضخم تظاهرة للكتاب في العالم، ما يعني أن هذه الدار قد صممت على أن تنحاز إلى سيرة المبدع العراقي المعجون بالأسى، وقد حملت الدار فعلاً عدداً من إصداراتها الجديدة ( بعد التاسع من نيسان 2003) والتي وصلت إلى أكثر من عشرين عنواناً على ما أعتقد، إلى مطار فرانكفورت العالمي إلى جنب بعض دور النشر الأهلية العراقية ..

وبالطبع فقد تواصلت الدار أيضاً مع مشروعها القديم الرائد المسمى بالموسوعة الصغيرة، والتي كان يشرف عليها الراحل القاص موسى كريدي، وهي سلسلة اصدارات صغيرة الحجم رخيصة الثمن كانت توفر للمثقف العراقي وجبة دسمة وشهية من المواضيع المختلفة والغنية والمتنوعة.

يستطيع أي جاهل أن يتسائل عن جدوى دار الشؤون الثقافية العامة وسط موجة من العنف والعنف المضاد تجتاح البلاد بعد سقوط الطاغية، وفي الحقيقة فأن أبلغ الأجوبة لمثل هذا التساؤل هو كتاب جديد يصدر أو مجلة رصينة تحاور أزمات الفكر العراقي تحديداً .

إن جهود دار الشؤون الثقافية العامة في العراق، وهي جهود جبارة في الظرف الحالي وإن كانت ما زالت في بداياتها الأولى، تمثل إلى جانب الجهود المبذولة من قبل دور النشر الأهلية، فرصة ممتازة لنقل الكتاب العراقي من أسوار الرقابة والمنع والوضع على الرفوف إلى أفق أكثر اتساعاً، إنه أفق المعرفة الذكية وبلاغة الكلام وفلسفة المنطق وفنون القول عامة وفنون الجسد والموسيقى والنحت والرسم... وهي مهمة نبيلة  جداً تحتاج إلى دعم متواصل من قبل الدولة وجمهور القراء على حد سواء.

وللعاملين في هذه الدار العتيدة محبة القراء والمتابعين، كما ندعو بالرحمة إلى مديرها العام الشهيد قاسم عبد الأمير عجام الذي مثل نبأ اغتياله بمثابة المحاولة اليائسة للوقوف بوجه عجلة الثقافة الحرة التي بدأت الدوران في عراق اليوم .. والرحمة والمغفرة موصولة أيضاً إلى من افتقدتهم الدار في سنواتها الماضية وأبرزهم القاص الكبير موسى كريدي والشاعر المبدع رعد عبد القادر ..

 

4.  كتاب المدى

 قبل سنوات، وأثناء إقامتي في العاصمة الأردنية عمان، إلتقيت الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير مرات عديدة برفقة الصديق الشاعر علي عبد الأمير والناقد الأستاذ محمد مبارك، كان شوقي عبد الأمير حينذاك يجول العواصم العربية للترويج لمشروعه المدعوم من اليونسكو والمعروف بمشروع كتاب في جريدة، وهو مشروع ثقافي جبار أشرف عليه شوقي عبد الأمير، ونالته الكثير من السهام السامة من قبل طائفة كبيرة من المثقفين العرب لسبب رئيس كون المشرف عراقياً!! وسبب فرعي يتعلق بمن نشر له المشروع  ومن أهمل، على الرغم من أن إصدارات المشروع كانت ليست من اختصاصات المشرف عليه بل من قبل لجنة كبيرة من الأدباء العرب!!! في تلك اللقاءات الحميمة كان سؤالي الدائم عن استثناء الصحف العراقية من هذا المشروع، وكنت إجابة شوقي عبد الأمير قاسية لغاية، ولكنها واقعية جداً، حيث ذكر أنهم (في اليونسكو) كثيراً ما خاطبوا وزارة الثقافة العراقية والمسؤولين في الإعلام العراقي للموافقة على ترشيح جريدة عراقية تنضم إلى أكثر من عشرين جريدة عربية تصدر في شتى العواصم في مشروع كتاب في جريدة الشهري، ولكن ردود المسؤولين العراقيين كانت عبارة عن اللا رد، والحليم تكفيه الإشارة.. وهي حالة من حالات عديدة كانت تذبح فيها الثقافة العراقية علناً فيما لا يملك أصحاب النوايا الحسنة غير التفرج لصعوبة عمل شيء آخر مثل إقناع أولئك المسؤولين بخطل مواقفهم .. وانتظم إصدارات المشروع التي شملت مؤلفات نخبة ضخمة من الكتاب العرب بشكل خاص كان نصيب العراقيين فيها ليس قليلاً ولكن دون أن تصل تلك الإصدارات للقارئ المعني الأول بها، ونعني القارئ العراقي ..

تذكرت ذلك وأنا أتابع مشروعاً عراقياً مماثلاً تبنته مؤسسة المدى للثقافة والنشر والإعلام أطلقها مديرها الكاتب العراقي فخري كريم من مقر الدار الجديد في بغداد متحدياً بذلك أفواج التخلف المدعومة جداً، والتي بدأت تنتشر كالجراد في أرض الرافدين ..والمدى واحدة من أبرز دور النشر العربية المعروفة برصانة إصداراتها، ولا أعتقد إلا بذلك وأنا أتلقف إصداراتها المختلفة والتي عززتها بدوريتها المؤثرة (المدى)، تلك المجلة التي قدمت للقارئ العربي نماذج مشرقة ولافتة من أدبه، وبالطبع كانت حصة الأدآب العراقية واضحة وأثرها بارزاً في إصدرارت الدار المختلفة.. فيما كان نصيب الدار على مستوى الداخل العراقي هو المنع شأنها في ذلك شأن الكثير من المشاريع النهضوية.. فكانت الدار وكادرها ضيفاً على العاصمة السورية دمشق لسنوات وسنوات ومن هناك حققت سمعتها الطيبة في عالم النشر.. وبعد سقوط الصنم العراقي نقل الكاتب فخري كريم مؤسسته الكبيرة إلى بغداد وأعلن عن عدة مشاريع ثقافية منها جريدته اليومية (غير المعنية بأي تيار أو جزب سياسي) وكذلك مواصلة نشاط الدار في مجالات نشر الكتب وأخيراً وليس آخراً نيته تدشين فضائية عراقية جديدة... وما يهمنا من الأمر هنا هو مشروع كتاب المدى الشهري، والذي إذا ما تحقق فسيكون حدثاً وطنياً وتعويضاً مباشراً عن سنوات الحرمان الثقافي السابقة..

إن توزيع كتاب مامجاناً بين طيات جريدة يمثل حدثاً سبقتنا إليه أغلب الدول العربية، ولكن ميزته هذه المرة كونه يمثل حدثاً عراقياً بلا رعاية دولية!، وهو في الوقت ذاته يمثل مشروعاً نبيلاً يتقصد توفير مصادر جديدة للقارئ العراقي بأيسر الطرق وأرخصها، وبما أن المدى كانت السباقة لنشر العديد من المؤلفات البارزة في الشعر والقصة والرواية والترجمة والنقد الأدبي، فمن المرجح أنها ستعتمد آليات جادة ورصينة في اختيار ما ينبغي طبعه وإلحاقه بالجريدة..

هل نقول أن على المدى أن تختار بعناية فائقة لجنة التوصيات التي ستقوم بإعداد قائمة بالكتب المرشحة للطبع في هذا المشروع؟ وهل نؤكد على حق المبدع العراقي في أن يكون نتاجه هو المقدم على غيره في هذا المشروع؟ وهل نتساءل عن إمكانية منح المؤلفين المعتمدين في هذه السلسلة مكافأة مالية، ليست رمزية، ترد إليهم الإعتبار بعد سنوات طويلة من التهميش والمنع؟ وهل نحمل المدى وصاحبها عبئاً آخر يتمثل في مشروع مكمل لمشروع كتاب المدى بأن يصار إلى اعتماد طبعات أخرى منه للتوزيع خارج العراق للتعريف به؟ وأخيراً، وإذ نحيي المدى على مبادرتها هذه، هل نطمح بأن يكون مشروعها مقدمة لمشاريع عراقية وطنية أخرى مماثلة؟؟

 

 

5. مهرجان القبانجي

 

قبل شهور كرم المقام العراقي من قبل اليونسكو (المنظمة الدولية للثقافة والفنون) وهو تكريم له دلالاته الكبيرة لجهة ريادة هذا الفن العراقي الأصيل من جهة ومحنة الثقافة العراقية اليوم في ظل تيارات التكفير والظلام مما لم يشهد مثله العراق من قبل على مر تاريخه..

وفن المقام العراقي فن تمتد جذوره في العمق الرافديني، كما يرى غير باحث، بالرغم من تأثيرات الأقوام والشعوب والدول التي غزت الأرض العراقية على مر العصور من أتراك وفرس وغيرهما.. وقد ظل المقام العراقي لصيقاً بالشخصية العراقية وميزة من ميزات ثقافتها المتعددة.. ونستطيع القول هنا أن البيئة التي ترعرع فيها المقام العراقي كانت العاصمة العراقية بغداد بالإضافة إلى المدينة الكبرى الموصل ومدن كركوك وبعقوبة وغيرها.. إذن فهو فن المناطق الوسطى والشمالية من العراق تحديداً، وهذا لم يمنع الكثير من سكان المناطق الشمالية ممن لا يتحدثون العربية أن يستمتعوا بوصلات كبار مطربي المقام العراقي، كما هو الحال بالنسبة للأخوة الأكراد، كما كان المقام العراقي يمنح مستمعيمن مدن الجنوب المعروفة بفنونها، وغنائها المختلف، من الاستمتاع بالوصلات التي كان يؤديها كبار قراء العاصمة. ونقول قراء لا مطربين لأن الباحثين في شؤون المقام العراقي يصرون على لفظة: قارئ مقام وقراء المقام على اعتبار أنها توافق قراءة القارئ للسلم الموسيقي بأقصى تدرجاته، وقارئ المقام له صوته الذي يختلف تماماً عن أصوات المطربين الذي يؤدون وصلات غنائية محدودة الأثر ومحدودة الأخذ من السلم الموسيقي. قارئ المقام يدخل في درجات تبدأ أولها بما يسمى بالتحرير لينطلق بعد ذلك في قراءة موسيقية صوتية بلاغية شجية مستثمراً أغلب درجات السلم الموسيقي والذي لا يجيد ذلك، على نظر باحثي المقام، فليس بقارئ  وعادة ما يختار قراء المقام العراقي نماذج من عيون الشعر العربي لأداء وصلاتهم ثم يختمون بما يسمى (البستة) والتي غالباً ما تكون وصلة غنائية بمصاحبة الايقاع مأخوذة من الموروث العراقي الشجي كما هو الحال في وصلات: (على شواطي دجلة مر، جلجل عليه الرمان نومي فزع لي، جي ما لي والي) وغيرها الكثير ..

برز في المقام العراقي مطربون كبار كثر، كان الراحل محمد القبانجي أشهرهم قاطبة، ومنهم أيضاً: حسن خيوكة، يوسف عمر، ناظم الغزالي، حمزة السعداوي، حسن داود، حسين الأعظمي ومائدة نزهت وفريدة محمد علي وصولاً إلى الصوت الصاعد اسماعيل فاضل... كما برز عازفون موسيقيون مهرة كانت آلاتهم التراثية ترافق وصلات أولئك الكبار، ومنهم شعوبي إبراهيم ومحمد حسين كمر وعلي الإمام وطارق الشبلي ووصولاً إلى الجيل الجديد من العازفين الذين يقف في مقدمتهم الفنان أنور أبو دراغ عازف الجوزة. وعرف من باحثي المقام العراقي أسماء مهمة مثل: الشيخ جلال الحنفي والحاج هاشم الرجب والباحث يحيى أدريس. أما أهم الآت الموسيقية التي ترافق قراءة المقام العراقي فهي: الجوزة، السنطور، القانون، العود، الكمان والإيقاع والرق..

كان التلفزيون العراقي، وكذلك الإذاعة العراقية تحرص على الدوام على تسجيل حفلات المقام العراقي التي تقام أسبوعياً في صالة المتحف البغدادي قبل أن يضيق الخناق على مطربي المقام وجمهورهم، كما ضاق على قطاعات ثقافية كبيرة أخرى، فهمش هذا الفن الأصيل وهاجر عدد كبير من رموزه بينما حاول من تبقى مقاومة الظروف العراقية الصعبة، وهنا تنبغي الإشادة بجهود المطرب والباحث القدير حسين الأعظمي الذي كان يصر على ممارسة هوايته المقامية في بغداد وعواصم عربية وأجنبية شتى ..

هكذا تبدو خريطة فن المقام خريطة واسعة جداً ولها قاعدتها الشعبية الضخمة، والمحاولات الحثيثة اليوم لإعادة الاعتبار لهذا الفن الأصيل أكثر من ضرورية بالرغم من الموجة الظلامية المدعومة جيداً في عراق التحرير.. وقد قررت وزارة الثقافة العراقية إقامة مهرجان كبير للمقام العراقي تحتضنه قاعة الرباط الواقعة في شارع المغرب في الأسابيع القادمة على أن يشارك فيه ما تبقى من أبرز قراء المقام وعازفيه بالإضافة إلى دعوة المهاجرين منهم ودعوة نخبة كبيرة من المهتمين بالموسيقى عرباً وأجانباً من أجل إحياء هذا الفن العراقي الأصيل .. وتستحق بادرة وزارة الثقافة هذه الكثير من الاحترام والدعم من أجل إنجاحها وجعلها موسماً سنوياً للفرح بالمقام ورواده، وما اختيار الوزارة أسم الفنان الذائع محمد القبانجي إلا إشارة لعلو كعب هذا الأخير في أداء المقامات الصعبة، وهي عديدة، بالإضافة لكونه واحداً من أبرز قراء القمام الذين اكتشفوا وأضافوا مقامات جديدة لما هو معروف وذائع، فالقبانجي يستحق دائماً من عشاقه ومريديه ما يضعه في الموضع الذي يستحقه.

إن وزارة الثقافة العراقية، والمؤسسات الثقافية العراقية المختلفة سواء أكانت رسمية أم غير رسمية، مدعوة حقاً لإنجاح هذه التظاهرة الثقافية الموسيقية بحشد الدعم المادي اللازم لها وكذلك مرافقتها بحملة إعلامية تتناسب وأهميتها، وأعتقد أن مهمة إخراج المهرجانات الثقافية العراقية من طابعها النخبوي لصالح الطابع الجماهيري صار مطلباً حيوياً الآن بعد توفر وسائل الاتصالات الحديثة في العراق ورغبة قطاعات واسعة من أبناء شعبنا في المشاركة في هذه الأنشطة الحضارية التي تحاول إعادة الوجه الجميل لعراقنا البهي .. والأمل حقاً في أن يتحول مهرجان القبانجي إلى شرارة هذا الانتقال من المرحلة النخبوية إلى المرحلة الجماهيرية للمكانة الكبيرة التي يحضى بها القبانجي والمقام العراقي على السواء في نفوس العراقيين.

 

 

 6. هل قرأتم هذا الخبر ؟

بعد فزع يومي من أنباء الخطف والذبح والسيارات المفخخة، هربت كعادتي، إلى الصحف العراقية الصادرة في بغداد، وفي واحدة منها قرأت خبراً أهمله المحللون الستراتيجيون على الرغم من الإشارات الدلالية الواضحة والكثيفة التي يبثها هذا الخبر.. ولأنني أعتقد أن ما ستقرأونه بعد قليل أهم بكثير من أي شيء آخر قد أقوله أنا أو غيري في الشأن العراقي الملتهب،  لذا أترككم بحفظ الله ورعايته مع فقرات منه كما نشرته الجريدة العراقية ..:

باقة ورد عراقية، من كل خارطة الوطن، ورائحة فواحة، من أهوار الجنوب، وضفاف الفرات الحالم. وعذوبة دجلة، رجال ونساء وأطفال بمختلف الاعمار والانتماءات. ومهرجان من الازياء يبدأ بالجينز وينتهي بالدشداشة والعقال، وتمر بالوجوه السومرية المميزة لنساء محجبات وأخريات بلا حجاب، وأطفال بعمر الورد، يفترشون الارض والاوراق البيض أمامهم والالوان بين اصابعهم النحيلة، يرسمون براءتهم التي تريد قوى الارهاب أن تلوثها.

هذا هو المشهد الافتتاحي لمهرجان السلام في دار السلام ، وذلك في افتتاح مهرجان اليوم العراقي للسلام الذي اقامه المجلس العراقي للسلم والتضامن على قاعة المسرح الوطني وكنا نتمنى - وفي التمني بعض الامل - أن يكون اولئك الذين يحملون القاذفات والرشاشات والزارعون للعبوات الناسفة والمفخخون لسيارات الموت أن يكونوا في قلب هذا المهرجان، من دون آلة الموت والدمار التي اكلت من اجساد شعبنا ليروا بأم أعينهم  ضحاياهم، وعلى من ينشرون الموت صباح مساء، وأية قلوب يتركونها مثقلة بالحزن والاسى، وأية وجنات تلسعها دموع الحزن. نعم أمنية صادقة من القلب عسى ولعل، أن تنبض قلوبهم مرة أخرى بالحياة، حين يروا فقط هذه الكوكبة الجميلة البهية، وهي تهتف وتغني وترسم وتصفق للعراق الحر المسالم. وللعراق فقط. بلا تسميات، بلا انحيازات.

وتضيف الجريدة راسمة مشهد من مهرجان السلام هذا فتقول :

على مقربة.. من مكان اللقاء، وأمام كاميرات القنوات الفضائية ووسائل الاعلام المختلفة، كانت كوكبة من الوان الطيف الشمسي من اطفال العراق، يرسمون على اوراقهم البيض مفترشين الأرض، يتحلق حولهم محبوهم وأهلوهم وأضوية الكاميرات، كانوا يقومون بعملهم، بانهماك عجيب، غير مبالين بضجيج الاحاديث وكاميرات التصوير، يرسم هؤلاء الابرياء، تصورات الطفولة الاولية وتأثيرات أصوات القنابل ومشاهد الدم التي يرونها يومياً من على شاشات التلفزيون .. لا أحد منهم يفكر أن كان مسيحياً أم مسلماً، كردياً أم عربياً، تركمانياً أم صابئياً.. فعالمهم هو الرسم والالوان والاحلام ، وبيتهم هو العراق الكبير .

عالم لا وجود فيه لكل ملوثات سنوات القهر تلك أو سنوات الموت العلني هذه. على تلك الاوراق بيوت على ضفاف الانهر، وعصافير على اغصان الاشجار والعلم العراقي يرفرف فوق الجبال الخضر وسماء زرقاء فضاؤها بلا حدود. زهور وبالونات والوان، وايضاً هناك كانت، الدبابة والطائرة، افرازات لعينة لمرحلة العن منها.

وعن أبرز الضيوف هنا تسمي الجريدة الفنانة والمناضلة القديرة القديمة زكية خليفة الزيدي ، التي جلست تتابع مفردات الاحتفال بالرغم من السنوات الثقال الطوال من القهر والظلم، وهي ايضاً سنوات من النضال والكفاح من اجل القيم النبيلة للانسان  العراقي في العدالة والسلام ...

وتقول الجريدة أن المهرجان تخللته فعاليات فنية كثيرة منها : معرض للفنون التشكيلية وقراءات شعرية وحفل غنائي أحياه المطرب سعدون كاكائي الذي قدم لمحات من الغناء الكردي وتلاه المطرب الذائع حسن بريسم بأغنياته التي مجدت الانسان العراقي ومعاناته ، فيما اختتم احتفال السلام بباقة اطفال، يمثلون مستقبل العراق، وهم يرفعون الشعارات التي تمجد السلام والتضامن والعراق وسط تصفيق حاد من قبل الجمهور الغفير ، وعلى انغام نشيد (موطني) ...  ثم انقض الجمهور وفي اذهانهم احلام ورديةعن عراق بلا دماء ، عراق السلام والأمل والمحبة ..

هذه قصيدة عراقية من زمن المحنة .. قصيدة بوحها واضح لا لبس فيه أن اتركوا العراق لأهله ، دعوه يبدأ بتضميد الجراح العميقة ويمسح عن وجوه أبناءه أثر الموت الذي جثم عليهم لأكثر من ثلاثين عاماً .. العراق الذي لا يبخل عليه البعض بالسيارات المفخخة وفتاوى الظلام الخبيثة محاولين جهدهم إعادته إلى قرون ما قبل سومر وبابل وأكد وآشور .. ولكن القصيدة العراقية هذه ستبقى أبلغ من كل تنظيراتهم الكارثية .

 

 *************

تنويه بخصوص أحاديث الواق واق:

نشرت هذه المقالات القصيرة في موقع آبسو الألكتروني الذي يشرف عليه الصديق الشاعر يحيى البطاط، وكما هو واضح من أول هذه المقالات فلقد كتبت بتكليف شخصي من البطاط للموقع خصيصاً، ولقد علمت فيما بعد أن الصديق القاص والمترجم عبد الجبار ناصر قد أعاد نشر بعض هذه الحلقات في جريدة بغداد عندما كان يشرف عليها في العام 2004 . وبعد كتابة هذه الحلقات توقف الموقع عن التجديد بسبب ذهاب المحرر إلى العراق، ولم أتواصل بعدها مع آبسو عندما عاد إلى الحياة.

 

 مقالات في الشأن العراقي