عبد الخالق كيطان: أعد نفسي أحد أدباء الداخل
التاريخ: Sunday, February 18/2007
اسم الصفحة: الثقافية

مجلة الشبكة العراقية

أجرى الحوار: عبد الحسين بريسم

( العدد الرابع والعشرون )
من مواليد مدينة العمارة 1969.. العراق.. بكالوريوس نقد وتأليف مسرحي من أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، العام 1992. فاز بجائزة الشاعر العراقي الكبير الراحل عبد الوهاب البياتي للعام 1998 عن مجموعته الشعرية (نازحون) والتي صدرت في العام ذاته عن دار الجندي في دمشق. في العام 2000 أصدر مجموعته الشعرية الثانية (صعاليك بغداد) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمان وبيروت. له عدد من المخطوطات، ومنها: مجموعته الشعرية الثالثة والمعنونة (الإنتظار في ماريون).. وكتاب يتحدث فيه على شكل (سيرة مبكرة للألم) عن إنتفاضة الشعب العراقي للعام 1991 وهو بعنوان (شارع دجلة).. وكتاب ثالث مخطوط بعنوان (عقد البنفسج/ مقالات في المسرح العراقي المحاصر) يمثل مجموعة من الدراسات والمقالات التي تتناول المسرح العراقي في عقد التسعينات من القرن الماضي كانت منشورة في عدد من الصحف العراقية والعربية.

عمل في التلفزيون العراقي وفي صحف عراقية مختلفة محررا للشؤون الثقافية والفنية للفترة من العام 1988 ولغاية 1998، وهو عام مغادرته العراق الى الأردن. وفي العاصمة الأردنية عمان كان أحد الأعضاء المؤسسين للإتحاد العام للكتاب والصحفيين العراقيين، عمان 2000، وأنتخب عضوا في هيئة تحرير مجلة (المسلة) الصادرة عنه. يقيم في أستراليا منذ العام 2002، وعبر الأنترنيت حاورناه عن هموم المثقف العراقي في الداخل والخارج فكان هذا الحوار:
* سألناه أولا عن بدايات الشاعر عبد الخالق كيطان، وجيل البدايات؟ فأجاب:
-
ليس في بداياتي الأولى ما يثير، فهي لم تكن مختلفة.. تعرفت على شاعر شاب إسمه علي أنور الهندي في مدينة العمارة فقام بدوره بتعريفي على مجموعة من الشبان، من هم بعمرنا آنذاك وكانوا يرتادون مقهى وسط المدينة بإعتبارهم من الشعراء الشباب.. وقتها كنت أكتب خواطر بسيطة ومتواضعة ليس إلا، إهتمامي الأكبر كان بالمسرح والموسيقى، نحن من جيل تفتحت عيوننا فيه أثناء الحرب العراقية الإيرانية.. كان الشعر والمسرح والموسيقى والفنون الأخرى كلها مكرسة لتمجيد تلك الحرب... كتاباتنا الأولى لم تشذّ عن ذلك لسبب بسيط هو الوعي بالأشياء وبما يدور حولنا، فللأعمار أحكام كما قالوا.. لم أستطع أن أتخلص من هذه المرحلة إلا بعد حرب الخليج الأولى(غزو الكويت ثم عاصفة الصحراء ثم الإنتفاضة).. هذه المرحلة كانت مرحلة النضج الحقيقي بالنسبة لي، وحتى بالنسبة للأسماء التي رافقتني.. فمن مجموعة العمارة بدأت ألحظ النضج في نصوص علي سعدون ومحمد عزيز وعبد الحسين بريسم وحسن رحيم وحيدر مانع الحجاج وقصي نزار ومقداد العلاق وآخرين.. ومن مجموعة العاصمة تلمست ذلك النضج في نصوص فرج الحطاب وعبد الأمير جرص وقاسم محمد عباس وأحمد الشيخ علي ومحمد غازي الأخرس وحسين علي يونس وكاظم النصار وغيرهم.. البدايات الأولى كما أشرت كانت مرحلة الخواطر البسيطة، أما بعد العام 1991 فكانت نصوصنا تميل أكثر نحو التجريد، نحو التجريب والغموض، وهو جزء من مشهد عام في تقديري كان يمتاز بالغموض والتجريد.. ولقد احتجت شخصياً بضعة أعوام حتى أتخلص من ذلك الوهم الذي سيطر على رأسي، وهم كان يشاركني فيه، كما أزعم، العشرات من الشعراء العراقيين، هم لن أسميه فهو عصيّ على التسمية، تغلبت عليه عندما وجدت نفسي جندياً بعد إنهائي الدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة.. فكتبت كما أذكر نص(أولاد) والذي تبعته مجموعة نصوص ظهرت فيما بعد في مجموعتي الأولى (نازحون).
ماذا كان يميز مجموعتكم الأولى في العمارة؟
-
كنا مجموعة من الفتيان الفقراء، وأذكر أننا كنا نتخندق في مجموعتين من الشعراء، والمجموعة الثالثة التي كانت تحضر إلى المقهى كانت مجموعة الشعراء الشعبيين، أيضاً ثمة مجموعة من الشعراء الذين يكبروننا في السن، أذكر منهم: جمال جاسم أمين، ماجد الحسن، ماجد البلداوي، جمال الهاشمي، نصير الشيخ، حامد الياسري، مؤيد فيصل محمد الياسري، عبد الرزاق عبد الوهاب إلخ.. لم تكن في البداية بيننا وبين هؤلاء صلات، فقد كنا أشبه بالعصب الصغيرة.. لا أتذكر بالدقة متى بدأنا نلتم عند مائدة واحدة.. ولكن ذلك حدث بعد العام 1988 على الأرجح.. كبرنا قليلاً، وبدأنا نفهم أوليات الكتابة.. أثر الجيل الأسبق منّا كان واضحاً.. أخص بالذكر جمال جاسم أمين الذي كان في ذلك الوقت يحفزنا ويثيرنا لكتابة قصيدة النثر.. بالطبع كنا مهيئين لذلك بفعل عوامل كثيرة: الحرب وأعمارنا الغضة والموت الذي كان يحاصرنا من كل جانب.
* ثم انتقلت إلى بغداد؟
-
نعم وقد حدث ذلك عام 1988 بسبب الدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة.. هناك إلتقيت بالكثير من الأسماء التي كنت أقرأ لها في الصحف.. وبسرعة قياسية تعرفت على مجموعة من الأصدقاء الذين كانوا يشاركونني النشر في صفحات الكتاب المبتدئين أو صفحات القراء، مثل: فرج الحطاب وأحمد الشيخ علي وعبد علي الرماحي وقاسم محمد عباس وعبد
الهادي الزيدي ونبيل وادي الجبوري وغيرهم.. كونا أول الأمر حلقة بسيطة في المركز الثقافي البريطاني الذي كان يقع خلف الأكاديمية.. ثم وبعد العام 1991 أسسنا ملتقى الصليخ الإبداعي كما أسسنا بمعونة الصديق الفنان شفيق المهدي ملتقى تحت المنبر في أكاديمية الفنون الجميلة.. أما من هم أسبق مني في التجربة فلقد كان اللقاء بهم شيقاً.. كنت تعرفت أولاً على الشاعر حسن النواب في العمارة في أواسط الثمانينات عندما كان ينزل إليها هارباً من جبهات الحرب طامعاً ببعض الخمر، ومرة إستمع لي وأخذ النص الذي سمعه ونشره في جريدة العراق، الصفحة الثقافية، كان ذلك عام 1987، وهي المرة الأولى التي أنشر فيها نصاً في صفحة متخصصة بل وأستلم مكافأة عمّا أنشره... أما في الأكاديمية فلقد تعرفت على وسام هاشم الذي قادني إلى حسن عجمي وضجة شعراء الحداثة فيها.. كانت المقهى سراً لا يعرفه إلا المدمنون على المقاهي وكنت من هؤلاء.. لقد إستفدت كثيراً من هذه المرحلة، حيث تعرفت على أسماء كثيرة جداً، بالطبع كان أغلبهم ينتمي إلى جيل الثمانينات ربما بإستثناء الشعراء: زاهر الجيزاني وخزعل الماجدي ورعد عبد القادر فهؤلاء كانوا سبعينيين.. حمى التجريب التي قادها بضراوة شعراء الثمانينات أحرقتني بالكامل ووجدت نفسي في مركزها بعدة ثقافية متواضعة.. ولكنني بدأت بالإنفلات منها بعد سنوات عندما بدأت بكتابة نصوص يومية كنت أجد لها صدى طيباً في المقهى مثل(صعاليك بغداد، نهارات عاطلة، إلى أمي بمناسبة المساء، أفعل ما يحلو لي إلخ). وحدث أن جاءني ذات صبيحة إحدى جمع بغداد صديقي الحبيب فرج الحطاب ليعرض عليّ نشر مجموعتي الأولى في مدريد عبر مجلة ألواح التي يحررها الصديقان: محسن الرملي وعبد الهادي سعدون، وافقت على الفور ونزلنا أنا والحطاب من غرفتي في الفندق مباشرة إلى سوق السراي حيث إشترينا دفاتر صغيرة جداً، من تلك التي من الممكن وضعها في مظروف بريدي(كانت تلك فكرة فرج بالطبع)، وطلب مني نسخ ما أريد من نصوصي في هذا الدفتر وتسليمه له في الجمعة القادمة، وفعلت ذلك، وأرسل فرج المجموعة إلى إسبانيا لأفاجئ بعد أكثر من عام  بأن مجموعتي تلك، والتي أعطيتها عنوان (نازحون) قد حصلت على جائزة الشاعر عبد الوهاب البياتي بدورتها الأولى، من مقر الجائزة في سوريا.. النصوص التي سبقت هذه المجموعة ضاعت، أو بالأحرى أضعتها، وما بقي كانت النصوص المكتوبة مع وأثناء كتابة نصوص “نازحون”، وقد ظهرت تلك النصوص في مجموعتي الثانية (صعاليك بغداد).
* رأيك في إشكالية أدب الداخل والخارج؟
-
لا أعرف بالدقة متى ظهر هذا الإصطلاح، والعجيب أن الثقافة العراقية مغرمة بمثل هذه الإصطلاحات، فلقد داخلت(أعني الثقافة العراقية) من قبل بإصطلاحات كثيرة، خاصة في الثمانينات، وها نحن اليوم ننشغل بطريقة مثيرة بإصطلاح أدب الداخل والخارج.. وبالنسبة لي أعد نفسي أحد أدباء الداخل لأسباب كثيرة، أولها أني لم أكمل بعد عشرة أعوام خارج بلدي، وثانيها مشاعري في أنني أعيش في العراق وصلاتي التي لم ولن تنقطع مع أدبائه وأسباب أخرى كثيرة. أعتقد أن ظهور هذا المصطلح، والمصطلحات الأخرى سببه الحصر النقدي، فالنقاد يطلقون المصطلحات من أجل حصر مراحل زمنية معينة.. كما هو الحال مع مصطلح الأجيال.. أعتقد أننا اليوم بدأنا نتجاوز مصطلح شعراء الثمانينات والتسعينات لصالح مصطلح شعراء الحربين، أو شعراء ما بعد الحرب وهكذا. والأمر مع مصطلح أدب الداخل والخارج ذاهب إلى النهاية ذاتها. وللأسف الشديد فقد خلق هذا المصطلح كما أرى بعض الحساسية بين الأدباء العراقيين، أستطيع تلمس تلك الحساسية من مستوى بعض الكتابات التي ظهرت في الصحف العراقية لتحاكم أدباء عراقيين يقيمون خارج بلدهم لأسباب شتى.
* رأيك في المنفى والشعر؟
-
أود أولاً أن أسجل تحفظي على إصطلاح منفى.
الغربة التي عشتها كانت مفيدة، وأزعم أن كل غربة مفيدة بالرغم من آلامها.. لقد عشت في محطتين مكانيتين بعد خروجي من العراق، وهما محطة المملكة الأردنية ومحطة أستراليا.. في الأولى كانت إقامتي في العاصمة الأردنية عمان مليئة بالثقافة والإنتاج بدليل صدور مجموعتي فيها، وثلاث أماسٍ شخصية ناجحة ومشاركات عديدة في مهرجانات فضلا عن عشرات المواد التي نشرتها في صحف أردنية وعربية ودولية.. أما إقامتي في أستراليا فلقد كانت نتائجها مختلفة تماماً.. فأنا أقيم هنا منذ حوالي أربعة أعوام، لا دخل للنشاط الثقافي العملي فيها أبداً.. كل ما أنجزته هنا هو كتابات بعضها رأى النور في جريدة الشرق الأوسط اللندنية وجريدة المدى البغدادية وبعض مواقع الأنترنيت.. فضلا عن تأسيسي مؤخراً لمجلة دفاتر على الأنترنيت.. عدا >ذلك كانت إقامتي هنا مفيدة لجهة المراقبة والخزين.. الإقامة في بلد متنوع الأديان والثقافات وشاسع الأبعاد كما هو الحال في أستراليا يمنحك فرصة ذهبية لمراجعات كثيرة.. ولقد كانت مراجعاتي الشخصية تمس الوضع في العراق أكثر من أي شيء آخر، وربما يعود السبب في ذلك لسخونة الوضع العراقي.. وصلت إلى أستراليا في أوائل العام 2002، وبعد شهور إنطلقت الحرب، ولقد كنت على موعد مع دخول العراق في تلك الأيام  لولا ظروف تخص إقامتي هنا.. الحرب وما تبعها حتى اليوم جعلني أخصص أغلب وقتي للعراق، بلدنا، الذي نحب فرسمنا له يوتوبيا خيالية عقولنا، ما أعمانا عن رؤية الكثير من حقائق التأريخ والجغرافيا والأديان والمذاهب والعادات والتقاليد فيه.. أما التأملات الأخرى فلقد كتبت عنها أكثر من مرة، وخاصة في مقالي الطويل: آراء شخصية في فهم الشعر والذي نشر على حلقتين في جريدة المدى ثم ظهر في مجلة جهة الشعر على الأنترنيت وفي موقعي الشخصي أيضا.
* كيف تنظر إلى المشهد الشعري العراقي الآن؟
-
متابعتي لما ينشر من شعر داخل العراق محكومة بما يظهر في الصحف العراقية الموجودة على الأنترنيت، والمجادلات والمقالات التي ترافق ذلك، ولقد إسترعى إنتباهي منذ سنوات، ثم تعاظم بعد سقوط الديكتاتورية، ذلك العود الغريب إلى الكلاسيكية، أو الشعر العمودي.. لقد ناضل الشعراء العراقيون أكثر من نصف قرن من أجل إحداث نقلة في كتابة وتلقي الشعر لا يجد بعض الشباب اليوم من غضاضة في تجاوزها والعودة بنا إلى مراحل ما قبل الريادة السيّابية.. والأمر ليس بغريب بعد أن نأخذ بنظر الإعتبار المد التجهيلي الذي إبتدأ في تسعينات القرن الماضي وإستمر بكثافة للأسف الشديد بعد سقوط الديكتاتورية، ولكن الغرابة القاسية في الموضوع أن يتكفل شعراء شباب بذلك بعد أن تعلمنا أن الشباب هم دائماً من يقود الثورات التجديدية في عالم الأدب.. والسؤال الأساس هنا: ما الذي يريد أن ينجزه هؤلاء الشباب بالعودة إلى القصيدة العمودية؟ إحياء تلك القصيدة مثلاً؟ رد الإعتبار للثقافة القومية؟ قصور الأشكال الكتابية الجديدة في التعبير عن آلام الناس؟  أما عن الشعر المكتوب خارج العراق فالأمر مختلف كلياً بالرغم من ظاهرة مجلات الأنترنيت التي بدأت تنشر للجميع من دون أية قياسات إبداعية ما ولّد تجارب لا تعد ولا تحصى تتحدث بإسم الشعر العراقي.. هذه الصورة، بين داخل العراق وخارجه، لا تعدم  وجود أصوات كثيرة مبدعة تحاول التنفس وسط الدخان.. أما الولادات الجادة الجديدة فثمة في تقديري: عماد حسن وعباس خضر فضلاً عن آخرين ربما لم يسمع بهم من قبل في العراق.
* بين الشعر والكتابات الأخرى، المسرح والصحافة والنقد؟
- ما زلت أعتقد أن الشعر شأن شخصي بالدرجة الأساس، وأعني بالشعر  هنا كتابته، أما الكتابات الأخرى فالموضوع يختلف فيها..  وأنا منذ زمان بعيد كنت أجتهد على ان أبقي نصي شخصياً، بمعنى أنه ينطلق مني إلى العالم وليس العكس.. ثمة من يعتقد بغير ذلك، والكل حرّ في إعتقاده. ممارساتي الكتابية الأخرى تقلب هذه المعادلة، ولهذا أعتقد أن هذا يكمل ذاك والعكس صحيح.. لا أعتقد بأن العمل في مناطق كتابية أخرى يضر بالشعر، على العكس تماماً، بل أجد من الضروري جداً لشاعر ما أن ينوع مناطق الكتابة عنده، الزمن الذي نعيش فيه زمن معقد ولكن نظم الإتصال فيه حاولت أن تحدّ من تلك التعقيدات... العيش في المنافي يمنحك ثقافة جديدة تستطيع أن تحولها إلى كتابة مؤثرة، وليس بالضرورة أن تكون هذه الكتابة شعراً... أما المسرح، فهو كما قيل (أبو الفنون)، تجد فيه الشعر والسرد والموسيقى والأزياء والتشخيص وعلم النفس والتشريح وعلم الجمال والتأريخ إلخ.. والكتابة في المسرح وعنه تمثل ممارسة من أجمل الممارسات الإبداعية التي عرفتها، ربما تكون الكتابة في الحقول الفنية كلها ممتعة بالمستوى ذاته (السينما، التشكيل، النحت، الموسيقى، الأزياء.. إلخ)، ولكن المسرح يختلف عن تلك الفنون بحيويته، وأعني قدرته على صياغة علاقات حيوية دائماً بإعتباره فعلاً حياً، وليس لحظة مستعادة.
                                        

*********

  الصفحة الرئيسة