رسائل سرية في الزمن الصعب
رسائل علنية في زمن الحرية
مازلت أقول بأنني من مثقفي الداخل جرياً على عادة المنفيين العراقيين الذين قسموا
الثقافة العراقية إلى ضفتين هما: ثقافة الداخل وثقافة الخارج.. أقول إنني أعد نفسي
من مثقفي الداخل لأسباب كثيرة أهمها إن سنوات إقامتي خارج العراق لا تتجاوز الأعوام
الخمسة، ولذلك فطراوة علاقاتي مع المثقفين العراقيين والناس في العراق ما زالت ندية
لليوم..
لقد كانت إقامتي في العاصمة الأردنية عمان للفترة من 2/8/1998 ولغاية
7/1/2002 حافلة جداً بالتواصل الحميم مع أولئك الأصدقاء البررة، وبخاصة من
المشتغلين في حقول الثقافة العراقية المختلفة، وتواصلت تلك الصلات بعد سفري إلى
أستراليا حيث أقيم اليوم..
كانت أبرز مشكلة أعاني منها في كون لقاءاتي مع القادمين
من العراق محفوفة بالمخاطر بالنسبة لهم على اعتبار إنني من (المرتدين والخونة
والمعارضة الإمبريالية) وما إلى ذلك من توصيفات تطلقها باستمرار سلطات النظام
الصدامي الشمولي بحق المثقفين العراقيين الذين أجبروا على العيش في المنافي
والمنائي..
ومع ذلك فقد كان الأصدقاء يغامرون بلقائنا نحن المطرودين من جنة الوطن،
ولطالما تعرضت، وتعرضوا بالطبع، لتحذيرات متبادلة من مغبة تلك اللقاءات.
اليوم وقد سقط نظام صدام وإلى الأبد أصبحت أستطيع الحديث بحرية عن تلك الأيام وكشف
حقائقها، ومن ذلك الإشارة إلى ما كان الموفدون العراقيون يسرون به إلى أصحابهم
الذين يعيشون خارج العراق.. ولئن كنت أنوي في هذه الكلمة الإشارة إلى لقاءاتي
ورسائلي المتبادلة مع الفنان العراقي المبدع مقداد عبد الرضا باعتباره عينة من تلك
الصداقات الكبيرة التي نمت بالرغم من الأسلاك الشائكة التي كانت تحيط بنا من كل
جانب، فإنني من جهة أخرى أشير إلى ما كان الشاعر فاروق سلوم، وكان يعمل مديراً
عاماً لدائرة السينما والمسرح في العراق، يؤكده باستمرار في لقاءات عمان من قرب
سقوط نظام صدام لسبب يؤكد عليه سلوم، ومفاده: إنغلاق مؤسسات الحكم الصدامية على
نفسها فلا تسمح إطلاقاً بأي اختراق حتى لو كان هذا الإختراق يريد تطوير عمل تلك
المؤسسات، كما كان سلوم يشير إلى ظاهرة حكم العائلة القاسي في العراق .. أشير أيضاً
في هذا السياق إلى لقاءات حميمة مع فنانين عراقيين أبرزهم: عبد الخالق المختار
ورائد محسن وحكيم جاسم وصلاح القصب وعزيز خيون ويوسف العاني وسامي عبد الحميد وفلاح
إبراهيم ومحسن العلي وكريم محسن وكاظم النصار وهيثم عبد الرزاق وفارس طعمة
التميمي.. وإلى أدباء كثيرين على الأغلب كانوا لا يعودون إلى العراق!.
أما عن الفنان مقداد عبد الرضا، وهو ممثل مسرحي وتلفزيوني وسينمائي معروف له
اهتمامات كبيرة بالتصوير الفوتوغرافي والكتابة الصحفية والسينمائية، فهو كان من
أبرز ممثلي جيل ما بعد الستينيات في الفنون التمثيلية العراقية..
ولطالما كنت وعبد
الرضا ومجموعة من الأصدقاء نلتقي في بغداد، وخاصة في باراتها ونواديها ومسارحها،
ونحلم..
حتى خرجت من العراق إلى عمان.. وهناك، في عمان تحديداً، كان أبو أريج يأتي
باستمرار محملاً بهمومه الكبيرة، فهو من جهة لا يجيد عملاً غير أن ينتمي لتاريخه
الفني الطويل فيما أخذت الرداءة تجتاح كل شيء في الفنون العراقية، وكان لزاماً على
الفنان العراقي أن يختار خيارات أحلاها مر علقم: بين الخروج من العراق وهذا أمر
مكلف خاصة بالنسبة لمن له عائلة كبيرة، أو العمل في مناحات الحصار المدعومة من
النظام أو العمل في تيار المسرحيات الاستهلاكية أو البحث عن عمل آخر غير الفن ناهيك
عن خيار الانخراط في جوق الرقص والتطبيل لمذابح النظام..
كان مقداد إذن حائراً بين
هذه الخيارات التي دفعته دفعاً لأن ينغلق ما أمكنه ذلك داخل العراق وأن يشارك في
بعض المسلسلات التلفزيونية، من أجل دفع غائلة الجوع عنه وعن عائلته، كما اضطر
للمشاركة في مسرحيات أقل ما يقال عنها رديئة الصنع للسبب ذاته..
وإذ كنا نلتقي في
عمان باستمرار فقد كان الموضوع أشد صعوبة مع رحيلي إلى أستراليا..
ومع افتتاح خدمة
البريد الألكتروني في بغداد بدأت وعبد الرضا سلسلة من المراسلات التي أتخذت فيها
عنواناً بريدياً وأسماً مستعاراً لئلا أفضح صاحبي الذي كان في أحيان كثيرة يمدني
بأخبار حال الثقافة العراقية والناس في بغداد ناهيك عن اتصالاته المستمرة بالأهل
داخل العراق، خاصة وهو وجه معروف في الشارع العراقي … اليوم وقد تنفس أبو أريج
ومعه ملايين العراقيين هواء غير مراقب من قبل عيون الجريمة وصناعها الكثر أعود إلى
قراءة آخر رسائله لي قبل انقطاع الخطوط الهاتفية مع العراق بعد بدء الحرب الأخيرة..
وهي رسائل يلمس قارئها مدى سخونة الحدث وجدية الخطر الذي كان يشكلها الرقيب
الصدامي… تقول واحدة من تلك الرسائل:
(خرجت مبكرا هذا اليوم تجولت في بغداد..
عدت إلى أيام التسعينات مع ناجي عبد الأمير..
فارغة بغداد وحزينة عسى أن يكون هذا آخر أحزانها..
انتقلت إلى بيت في الدورة وهو
اكثر أماناً..
مكاني ليس أمين تماماً..
العائلة هناك..
جئت لأتفقد الشقة وبالصدفة فتحت
الكومبيوتر ووجدت رسالتك ..سأحاول أن افتح الكومبيوتر كلما سنحت فرصة).. كان عنوان
هذه الرسالة (حاول أن تطمئن) وقد أرسلت بتاريخ 23/3/ 2003 … وفي رسالة أخرى عنوانها
لماذا يبتعد الأحبة في الأحزان؟ أرسلت بتاريخ 19/3/2003 يقول عبد الرضا:
أعرف ربما يكون السبب هو الأيميل.. ولكنها أي وحشة عشرات المؤلفين لا يقدرون أن
يكتبوا جملة واحدة عن الذي يجري.. أصفر لون بغداد.. أسمع نبض الشوارع يدق بفزع..
أي دمار يمكن أن يحدث.. أغلقت المحال.. وأغلقت معها الأرواح.. هوس بالانتقال من
أجل الشعور بالآخر.. لكن هل يمكن أن يكون الآخر هذا منقذاً.. هذا ما ستكشفه
الأيام.. ربما سنلتقي أو نعاود الكتابة مرة أخرى..
إنه الخميس الدامي.. أكتب..
ربما أستطيع أن أتسلم رسالة أخيرة منك يوم غد..
أنتظر.. أو..
إلى لقاء.. أو غربة
مرة أوحش…) .. وفي رسالة بتاريخ 5/3/2003 كتب يقول: (لا داعي للملفات (يقصد
الملفات الفنية والثقافية التي كنت أرسلها إليه نقلاً عن الصحف والمجلات ومواقع
الأنترنت) وشكراً لما بعثته سابقاً ولو أن أغلب المواقع مسدودة.. لكن ميهم (ليس
مهماً) هم نعمة وسط هذا الغول ) ويقصد نعمة البريد الألكتروني..
ويتساءل في رسالة
مليئة باللوعة في رسالة بتاريخ 28/2/2003: (سجلت حياة سالم حسين.. أهم شيء زودني
به شريط فيديو نادر يظهر فيه حقي الشبلي بيده إيقاع ويغني مقام…
أنتظر.. العجيب أن
نماء الورد وصلت بغداد.. شلون (كيف) ما تدري مثل فاضل الربيعي !..عجيب أمور غريب
قضية) ..
هذه بعض رسائل الفنان مقداد عبد الرضا، السرية جداً، ولكنني اليوم لا أبعث له
رسالة باسم مستعار ولا من بريد لا أستعمله إلا له.. هذه المرة أرسل له رسالة بوسع
القلب وكبر محبة العراق.. رسالة علنية أنشرها عبر أثير (كيكا)، وكيكا يا أبا أريج
موقع ثقافي عراقي جديد لم أرسل لك مما ينشره سابقاً، قلت فيها ما شعرت به بصدق
ومحبة ولم أكن أختار فيما كتبت الكلمات اختياراً خوفاً من رقيب غبي لا يفهم إلا في
وضع النصال على الرقاب ..
ملاجظة أخيرة: كنت في تلك الأيام أتسلم رسائل ألكترونية من داخل العراق يبعثها
أصدقاء آخرون ولكن تلك المراسلات لم تكن منتظمة لأسباب تتعلق بصعوبة ذلك، خاصة وإن
أغلب الذين كانوا يراسلونني كانوا يستعملون بريدي العلني ما يجعل من حرية الكتابة
صعبة إلى أبعد الحدود، ومن هؤلاء أذكر: الفنان عبد الخالق المختار، القاص وارد بدر
السالم، الشاعر والمسرحي عزيز عبد الصاحب، مجموعة أدباء مدينة العمارة: علي سعدون،
جمال الهاشمي، محمد الحمراني.. وغيرهم.. فلهم كلهم ولمبدعي العراق تهنئة قلبية بعصر
الحرية الذي يعيشون اليوم..